أنت هنا

مؤتمر المواطنة والأقليات في العالم الاسلامي، الاثنين – الثلاثاء 6-7 محرم 1434الموافق 19-20 نوفمبر 2012

الكلمة التي ارتجلها السيد بوعبد الله غلام الله وزير الشؤون الدينية والأوقاف في المؤتمر.
المواطنة : لغة المفاعلة أو التفاعل ، أي تبادل الفعل والتأثير مادة التفاعل هنا أو أرضيته هي الوطن أي الامتداد الجغرافي في مفهومه المجرد وهو  الامتداد الجغرافي الذي ينتمي إليه الانسان. والانتماء إما أن يكون بالولادة في هذا الوطن أو الامتداد الجغرافي أو بالهجرة إليه ، اي باختياره مكانا للإقامة الدائمة لكن هذا الامتداد الجغرافي إنما يكتسب معناه وقيمته من المحتوى أي من المجتمع الانساني الذي يعمر ذلك الامتداد الجغرافي أي  يعمر الوطن .
قال تعالى" هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" أي جعلكم تعمُرونها أو تعمّرونها .
نفهم  من إعمار الأرض أو لا بأنه أمر واجب مفهوم من كلمة استعمركم فيها ..
فصيغة : استعمر = استفعل = تعني الطلب والطلب من الله للعباد انما هو أمر
ونظرا لأهميته وضرورته فهو منصرف للوجوب ، أي فرض الله عليكم أن تعمروا الأرض
التي أنشأكم منها وفيها .
ثم إن إعمار الأرض ليس أمرا مطلقا ، أي ليس جميع الناس يعمرون جميع الأرض ، وانما هناك عوامل ثقافية وتاريخية تجعل طائفة من الناس تشترك في خصائص ثقافية تعمر جزءا محدودا من الأرض هي التي نسميها في العصر الحاضر وطنا أو موطنا .
وقد سماها القرآن أمة وأحيانا سماها قرية أو قوما .
"وإن من أمة إلا خلا فيها نذير"

" وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان "
" وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم"  
ومن جهة أخرى فإن الله الذي خلق المودة بين المرء وزوجه هو الذي خلق مودة مثلها أو محبة بين الانسان وبين الوطن الذي نشأ فيه أو انتمى إليه .  ولنا كمثال على ذلك محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة حيث يقول : " إنك لأحب بلاد الله إلي ولولا قومك أخرجوني ما خرجت". وعندما اشتد اشتياق المهاجرين إلى وطنهم ، وكثر حديثهم  عنها واهتمامهم بها  دعا رسول  الله صلى الله عليه وسلم دعاءه المشهور : " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا وصححها لنا ...الخ      رواه البخاري
إن هذه المودة أو المحبة للوطن هي ما نعبر عنه بالانتماء وكل إنسان إنما تتحدد شخصيته بالانتماء سواء إلى الأسرة أو إلى الوطن أي المجتمع الذي يسكن وطنه .
فالإنسان غير المرتبط بوطنه مثل الانسان الذي لا أسرة له ولا أرومة  له ، فرد ضائع لا منتمي ، يهيم على وجهه دون مقاييس ولا حدود .
ومن أحسن الأمثلة على ذلك قصيدة لأحمد شوقي رحمه الله يحكي فيها عن ريح قدم من الجنوب مر على الحجاز فرأى منظر عصفورتين حزينتين جائعتين فخاطبهما وقال:
عصفورتان في الحجاز               حلـــــتا عـــلى فـــــنـن
مر عـــــلى أيكهــــمـــا               ريح سرى من اليمـن      
حـــــيــــــا وقــــــــــــــــال                     درتان في وعاء ممتهن
ثم ذكر لهما الخيرات التي حبا الله بها أرض اليمن ،
ومما قاله:
الحب فيها سكر                والماء شهد ولبن
هيا اركباني نأتها               في ساعة من الزمن
لكن العصفورتين لم يرضهما مغادرة وطنهما والتمستا العذر للريح الذي دعاهما للمغادرة على سبيل الإكرام والنصح فقالتا له: وهذا محل القصيدة أو العبرة
يا ريح انت ابن السبيل             ما عرفت ما الوطن
هي جنة الخلد عدن                   لا شيء يعدل الوطن
وقبله قال الشاعر:
بلادي وإن جارت علي عزيزة      وأهلي وإن ضنوا على كرام
أعود للموضوع فأقول:
إن الانتماء إلى الوطن مثل الانتماء إلى الأسرة، والفرق بينهما فرق في الدرجة  و ليس في الجنس.
هذا الانتماء يجعل الانسان أو يفرض عليه ضربا من السلوك يساهم به في عمارة الوطن  الذي هو من عمارة الأرض المأمور به وهو سلوك يتمثل في تبادل المنافع مع الناس الذين يشترك معهم في الانتماء إلى وطن واحد ومن تبادل المنافع هذا اشتقت كلمة المواطنة.
فهو تفاعل يدعى في المفهوم الانساني تعاون والتعاون هو أساس المواطنة ، والمواطنة لا تقاس بما من شأنه أن يختلف فيه الناس مثل السن والمعتقد والهواية والحرفة ،
وانما تقاس بما يصلح أن يثمر حياة المجتمع وبما يصلح أن يُعدّ من عمارة الأرض .
وقد خاطب الله الناس – وليس المسلمين وحدهم – في قوله تعالى " يا أيها الناس إنما خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " أي أصلحكم وأنفعكم وأكثر استجابة لما دعوتكم إليه من عمارة الأرض ، واجتناب الفساد فيها.
إن المواطنة إذن ثقافة ، أي معان وأفكار يشترك بها الانسان المنتمي إلى مجتمع ما أي إلى وطن ما، أساسها ثقته في مواطنيه ومحبته لهم واحترامه لمواقفهم واختياراتهم لأن احترامه لحريتهم فيما يصح أو يجوز فيه الاختلاف ، لأن الاختلاف سنة وآية من آيات الله تعالى .
قال الله تعالى :
" ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم "
وقال : " ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة "
هناك جذر آخر – غير الأرض – وهو أساسي في بناء المجتمع وتكوين المواطنة ونحن موجهون إليه كذلك من القرآن الكريم .
قال تعالى : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون "
إن اشتراك المجتمع في العقيدة أهم مكونات المجتمع الذي حباه الله بجزء من الأرض واستعمره فيها و المجتمع المسلم مأمور بأن يتخذ مبادئ الاسلام وآدابه مرتكزا لخدمة دينه الذي هو عصمة أمره وخدمة وطنه الذي فيه معاشه وهما متلازمتان تلازم وجهي الدينار، فلا يصلح أحدهما إلا بصلاح آخر والمواطنة الصحيحة هي خدمتهما معا والاخلاص لهما معا والتضحية في سبيلهما معا .
وهنا يمكن أن نطرح سؤالا: كيف يجب أن يكون وضع الأقليات المسلمة في مجتمع الدعوة؟
أظن أن الاجابة تنطلق من مبدأ الاختيار، الاختيار الحر للبلد أو المجتمع الذي يريد المسلم أن يكون عضوا فيه. لا شك أن بعض المسلمين الذين ينتمون كمواطنين إلى مجتمعات غير مسلمة قد وجدوا أنفسهم في هذه الوضعية بحكم الولادة. أي إنهم ينحدون من أسّر مسلمة في ذلك المجتمع سواء بحكم الانتماء العرقي، مثل ماهو الحال مثلا بالمسلمين الروس أو بسبب الهجرة الجديدة في  التاريخ كما هو الأمر بالنسبة إلى أبناء المهاجرين الجزائريين الذين دعوا إلى المساهمة في بناء الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الأولى أو الثانية، والذين استوطنوا فرنسا بحكم عملهم وطول اقامتهم فأصبحوا بذلك فرنسيين بحكم حقوقهم المكتسبة من ثلاثة أو أربعة أجيال.
يضاف إلى هؤلاء المسلمون المهاجرون إما طلبا للعلم أو طلبا للرزق ثم اختاروا الاقامة والعمل حيث هم فشكلوا بذلك جماعات مسلمة داخل مجتمع مسيحي أو لائكي.
لا شك ان الذي يربط هؤلاء بوطن الاقامة هو المواطنة كذلك، فلهم ما لجميع المواطنين من الحقوق مثلما عليهم ما على جميع المواطنين من الواجبات، و أهم هذه الواجبات محبة وطنهم والاخلاص في خدمته والدفاع عنه مع الاحتفاظ بحقهم الكامل في ممارسة شعائرهم الدينية كما هو الحال بالنسبة للأقليات غير المسلمة في المجتمعات المسلمة.
إن حقوق المواطنة لا تتنافى مع الحق في ممارسة الشعائر الدينية، بل هي في الواقع تتكامل معها وتعضدها، إن الالتزام بالدين الاسلامي هو الذي يفرض على المسلم أن يكون صادقا مخلصا للمجتمع الذي ينتمي إليه وعندما نرجع إلى صحيفة المدينة نجد أن الاسلام هو الذي اخترع مفهوم العقد بدل مفهوم المغالبة الذي كان سائدا من قبل.
ومفهوم العقد هذا كما حددته صحيفة المدينة أن يتعايش الناس ويتعاونوا على أمور دنياهم مع احتفاظ كل مجموعة بحقها في ممارسة شعائرها الدينية. ومما أُثر عن رائد الوطنية في مصر سعد زغلول قوله:" الدين لله والوطن للجميع "
الذي يهمنا أن تفهم الأقليات المسلمة معنى هذا الاندماج في الوطن والتكامل مع المجتمع الأوسع، الأمر الذي يعطي حظا كبيرا عندما تتمتع بثقة المجتمع الذي تنتمي إليه، وتربط بذلك صلة قوية بينه وبين الدول الإسلامية. فتكون همزة وصل في ربط علاقات التعاون في الميادين الاقتصادية والثقافية والتبادلات السياحية وغير ذلك. إنها بذلك تفيد وطن الانتماء الجغرافي والحضاري وفي نفس الوقت البلدان التي تشترك معها في العقيدة والدين، قاعدة كل ذلك التسامح الذي يثمر الازدهار في ميدان تبادل المنافع.
وما قلناه عن واجبات الأقلية المسلمة في مجتمع غير مسلم يقال كذلك عن الأقليات غير المسلمة في المجتمعات المسلمة التي يتحتم عليها الامتناع أن تكون موطن قدم للأجنبي الذي يسعى إلى التغلب والهيمنة والاستغلال، بل يجب أن تفرض نفسها كهمزة وصل للتبادل الثقافي والحضاري والاقتصادي بين الوطن الذي اختارت  الاقامة فيه والانتماء إليه وبين البلدان التي تشترك معها في العقيدة والدين.
وأخيرا أود أن أقدم للجمع الكريم نبذة عن الحقوق التي يتمتع بها غير المسلمين في المجتمع الجزائري المسلم الذي يقدر معنى الحرية والكرامة حق قدره بعد معاناته الطويلة وتضحياته الجسيمة في سبيل استرجاع حريته وصون كرامته.

أولا: في ميدان الحقوق
1) الاعتراف بالأعياد الدينية لغير المسلمين، وقد كرستها الأمرية رقم 63-278 الصادرة بتاريخ 1963  ( التمتع بالعطل في الأعياد الدينية)
2) قانون رجال الدين غير المسلمين الصادر في المرسوم رقم 69-204 في 06 سبتمبر 1969،
وهو متضمن في نفس التشريع الخاص بمسؤولي الدين الاسلامي .
وقد كرس هذا التشريع الحقوق الآتية لجميع رجال الدين بدون استثناء
- الحق في الحصول على جراية أو مرتب من الدولة .
- الحق في الاشتراك في الضمان الاجتماعي
- الحق في الاستفادة من المنح العائلية .
3) حق الجمعيات الدينية غير الاسلامية في امتلاك عقارات وإعفاؤها من الضرائب وحقوق التسجيل المترتبة على نقل الملكية ، وذلك بموجب الأمرية رقم 76-54 الصادرة
في 10 جوان 1976.
4) الحق في استيراد الكتب الدينية .
ثانيا : الضمانات القانونية لحرية التدين .
1) الحماية الجنائية للحرية الدينية ، وقد ضمنتها المواد : 87و87 مكرر  و144 مكرر و150 والمادة 151 والمادة 292 – 298 مكرر من قانون الجنايات وكذلك المادة 77 من قانون الإعلام .
2) في الحالة المدنية : المادة 28 من القانون المدني والمادة 64 من قانون الحالة المدنية تضمنان حقوق غير المسلمين في اختيار الأسماء لأولادهم .
3 ) قانون الأحوال الشخصية : فيما يتعلق  بالتوريث ينبغي الإشارة هنا أن منع التوريث لغير المسلمين المذكور في المادة 138 من قانون الأسرة أمكن تعويضه من طرف المشرع
في نفس القانون وفي مضمون المادة 200 منه بحق الهبة والوصية .
4) حق المحبوس في ممارسة شعائره الدينية وحق استقبال رجال دينه ، وهو حق مكرس في المادة  66 -3 من القانون رقم 5-04 الصادر في 06 فبراير 2005  ، المتعلق بتنظيم السجون .
ومما تجدر  الاشارة إليه أن وزارة العدل قد اعتمدت 7 من رجال الدين 3 من جنسية فرنسية وأربعة بالنسبة لمن ينتمون إلى طوائف لغوية أخرى .
5) حماية القضاء الاداري للحرية الدينية مما يحتمل التعرض إليه من التجاوزات الادارية ،
إن الحماية القضائية للحقوق الأساسية كرستها المادة 139 من الدستور ثم عضدتها
المواد 2-3-4-9 من الأمرية رقم 06-02 الصادرة في 26 فبراير 2006 ، والمعضدة بدورها في المادتين 8-9 من المرسوم التنفيذي رقم 07-158 الصادر في 27 ماي 2007 المنشئ للجنة الوطنية للديانة غير الإسلامية .
وأخيرا فإن المشرع الجزائري أقدم مرة أخرى على تعضيد هذه الحماية فيما نصت عليه المادة 920 من قانون الاجراءات المدنية والإدارية رقم 08-09 الصادر
في 25 فبراير 2008 ومن جهة أخرى فإن الاجراءات العقابية المنتظمة في أمرية 2006 و التي يتبرم منها بعض رجال الكنيسة ، كان الهدف منها هو التحذير من الممارسات المتطرفة والهامشية في ممارسة الديانة والتخلي عن الانحرافات التي من شأنها أن تعمق الهوة بين الديانات ، إنها إجراءات تجرم طريقة الممارسة وطريقة الدعوة إلى تغيير الدين عن طريق التخويف والتهويل والإغراء ، ولا تجرم الاختيار الحر لتغيير الديانة .