أنت هنا

سماحة الإسلام و نبذ التطرف

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مسجد باريس الكبير

خطبة الجمعة

سماحة الإسلام و نبذ التطرف

بتاريخ 13 صفر 1436هـ الموافق لـ 05 ديسمبر 2014م

الحمد لله حمدا يوافي نعمه و يكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك و لعظيم سلطانك. سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. و أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله.

و صفية من خلقه و خليله خير نبي أرسل، أرسله الله على العالم كله بشيرا و نذيرا. اللهم صل و سلّم و بارك على سيدنا محمد و على آل سيدنا محمد صلاة و سلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين.

أوصيكم أيها المسلمون و نفسي بتقوى الله تعالى. أما بعد، فيا عباد الله:لقد اختار الله لأمة الإسلام منهجها و بيّن لها طريقتها، فهي وسط بين الأمم و طريقها هو الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه.

قال تعالى: "وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ و يكون الرسول عليكم شهيدا". فهي أمة الوسطية التي تسعى لتحقيق مبدأ التوازن الذي تقوم عليه سنة الله في خلقه.

 

دينها وسط بين الغالي فيه و الجافي عنه، كالوادي بين جبلين و الهدى بين ضلالين. و إنّ الابتعاد عن هذا المبدإ الوسط يعتبر افتراء على الله في حكمه و استدراكا عليه في شرعه.

إنّ وسطية الإسلام و سماحته لا تؤخذ من العقول البشرية لكن تؤخذ من النصوص الشرعية. قال الإمام الشاطبي رحمه الله: "فإن كان التشريع لأجل انحراف المكلف أو وجود مظنة انحرافه عن الوسط إلى أحد الطرفين، كان التشريع ردًا إلى الوسط الأعدل" و إننا حينما نتكلم عن مظاهر الوسطية في الإسلام نتكلم عن أمور كثيرة و متغلغلة في جميع شعائر الدين و فرائضه، من عقائد و أحكام و عبادات و معاملات و علاقات.

أيها الإخوة: إنّ دين الإسلام و المتمسكين به براء من الإنحراف عن الوسط، و الذي ينصرف عنه بغلو أو جفاء لم يتمسك بالإسلام بكماله، و هو غير ممثل له و إنّما يمثل نفسه.

و إنّ الخروج عن هذه الوسطية يؤدي حتما إلى الوقوع في أمر خطير، ألا و هو الغلو أو ما يعرف بالتطرف، و قد حذر النبي صل الله عليه وسلم من هذا الأمر الذي فتك و لا يزال يفتك بالأمم التي تحيد عن الوسط: ففي حديث ابن عباس (رضي الله عنهما) أنّ النبي صل الله عليه وسلم قال: "إياكم و الغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" رواه أحمد النسائي و ابن ماجة.

 

لماذا كان الغلو سببا للهلاك؟

- لأن الغلو (التطرف) شجرة خبيثة إذا نمت نمت معها أشواكها الحادة، و من أشواكها الحادة التنازع و التدابر و البغضاء و غالبا ما يصل الأمر إلى سفك الدماء.

- لأنّ المغالي (المتطرف) يرى نفسه أنه وحده السالك لمنهج الحق و الصواب و أنه بذلك صاحب الشرعية و المشروعية و إصلاح أحوال الأمة مهما تكن الوسائل التي يقتضيها هذا الإصلاح.

و لو تفحصنا القرآن الكريم من أوله إلى آخره و فهمناه كما فهمه العلماء المعتدلون الناصحون، ما وجدنا فيه إلاّ ما يحذر من الغلو و التطرف.

و قد نشّأ القرآن الكريم رسول الله صل الله عليه وسلم في ظل الرحمة، و في ظل السماحة. ألم يقل الله عز وجل في كتابه لرسوله (صل الله عليه وسلم): "فَبِمَا رَحْمِةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ  لاَ نَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ".

أليس الإسلام هو الذي أرسى موازين العدالة المطلقة، متحررة من العصبية للعرق، متحررة من العصبية المذهبية، متحررة من العصبية للدين.

ألم يقل الله تعالى: "وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمِ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى".

أيها الإخوة المؤمنون:

تأملوا رحمكم الله - نبي الرحمة - و إمام الأمة صلوات الله و سلامه عليه و هو يبين للأمة يُسر الدين و سماحته يبين الحال التي ينبغي أن يكون عليها أهل الدين مع الدين، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "إن الدين يُسر و لن يشاد الدين أحد إلاّ غلبه، فسددوا و قاربوا و أبشرُوا..." و لفظ آخر للحديث: "القصد القصد تبلغوا".

نعم القصد القصد تبلغوا.. و القصد يا عباد الله هو الإقتصاد و التوسط و الإعتدال و البعد عن الغلو و الجفاء، و الإفراط و التفريط، و الزيادة و التقصير.

و من ثمّ جاء النهي من الحبيب صل الله عليه وسلم عن التنطع و هو الغلو في العبادة و المعاملة، بحيث يؤدي إلى المشقة الزائدة. و الشريعة لم تأمر إلاّ بما فيه يسر و سماحة و نهت عن التشدد و التنطع في الدين، ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صل الله عليه وسلم : "هلك المتنطعون. قالها ثلاثا" أي "المتعمقون الغالون المتجاوزون الحدود في أقوالهم و أفعالهم".
النووي في شرح مسلم.

و ها هو الحبيب صل الله عليه وسلم: الذي أرسله ربه رحمة للعالمين يصحح لبعض أصحابه بعض المفاهيم الخاطئة في مجال العبادات، فهذا أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صل الله عليه وسلم يقول: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صل الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صل الله عليه وسلم فلما أُخبروا كأنهم تقالوها فقالوا:
"و أين نحن من رسول الله صل الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخبر.
قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا و قال آخر: و أنا أصوم الدهر و لا أفطر و قال آخر: و أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله صل الله عليه وسلم إليهم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا و كذا، أما و الله إني لأخشاكم لله و أتقاكم له، لكني أصوم و أفطر و أصلي و أرقد و أتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".

و الحديث إخوة الإيمان: أصل في أن الدين مؤسس على التوازن و العدل و التوسط في كافة شؤون الحياة. و في الحديث إبطال لسنن أهل الجهل و الهوى، و في الحديث براءة من أهل التنطع في الدين و الغلو فيه.

أيها المسلمون: إنّ الإسلام دين الرحمة و التراحم، دين المحبة و المودة، دين الأخلاق الفاضلة و هذا ما أرسل به خاتم الأنبياء و المرسلين.
"و ما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين".

و لكن للأسف أيها الإخوة المسلمون فنحن في زمن أسيء فيه للإسلام و المسلمين بسبب عدم الفهم الحقيقي للإسلام من بعض المنتسبين إليه،
فحاد الكثير منهم عن جادة الصواب بأفكار و تصرفات غريبة عن الإسلام و المسلمين و هم بذلك يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. و أساءوا للأمة بتلك الأفكار و التصرفات فحولوا الإسلام إلى دين عنف و كراهية.

و قسوة و شدة و فرقة، سفهوا العلماء و حكموا على الأمة بالجهل و الضلال. و أنه لا خلاص للأمة إلاّ باتباع ما هم عليه، فإلى الله المشتكي و لا حول
و قوة إلاّ بلله العلي العظيم.

نفعني الله و إياكم بالقرآن العظيم و بما فيه من الآيات و الذكر الحكيم. أقول قولي هذا و أستغفر الله العظيم لي و لكم من كل ذنب فاستغفروه،
إنه غفور رحيم.

الخطبة الثانية :

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه. و بعد أيها الأحباء في الله لقد قال الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: "يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم و صيامكم مع صيامهم، و أعمالكم مع أعمالهم، يقرؤون القرآن و لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". مسلم عن أبي ذر.
يمرقون في الدين، يخرجون من الدين. يقال مرق السهم من الرمية، إذا خرج من الجانب الآخر.

و لا يعني ظهور هؤلاء أن نبقى مكتوفي الأيدي، بل لا بد من مواجهة ظاهرة التطرف و الشدة و الغلو، و بالأخص في هذا الزمان بالذات حيث ترفع رايات و شعارات باسم الإسلام و يماسِ في ظلها التطرف بنوعيه الفكري و العملي و ما من تطرف عملي إلاّ وراءَه تطرف فكري.

و هذه الظاهرة إخوة الإيمان: لم تجن الأمة من ورائها إلا التفرق و التمزق و التشتت و التشرذم و عدم الاستقرار. و الذين حملوا هذا الفكر المنحرف عن المنهج الوسط شوهوا صورة الإسلام الوضيئة بادعائهم العمل للإسلام، حتى وصل الأمر بهم إلى فرض أفكارهم المسمومة على الناس بأي وسيلة.

أيها المسلمون: إنّ ضريبة التطرف يدفع ثمنها اليوم المجتمع برمته دون استثناء و من ثمّ كان و لابد أن نسعى جاهدين، كل في مجال اختصاصه للحيلولة دون انتشار هذا الظاهرة التي تعصف بمجتمعنا، الذي كان و لا يزال شعاره:"رضيت بالله ربًا و الإسلام دينا و محمد صل الله عليه وسلم نبيا و رسولا".
و والله إنها لتعصف بالأخص بفئة الشباب، لأن أصحاب الفكر المتطرف يستغلون هذه الفئة المولعة بالعاطفة الحارة و المشاعر الساخنة، و الشباب كما قال عنهم النبي صل الله عليه وسلم:"أرق أفئدة". فكان التركيز عليهم من طرف أصحاب هذا الفكر المتطرف و ذلك بغسل أدمغتهم أولا و تحويلهم إلى آلة يتحكمون فيها كيفما أرادوا، فإن صاروا كذلك أقحموهم و زجوا بهم فيما هو أخطر من ذلك، فكانوا هم الوقود الذي تسّعر به نيرانهم التي يصعب إطفاؤها.

فالشباب الذي ولد على الفطرة و الوسطية و الاعتدال إذا لم يجد من يأخذ بيده إلى طريق الحق وجد من يجره إلى طريق الإنحراف و العدول عن الطريق المستقيم.

و هذا العمل مسؤولية الجميع، الأسرة و المدرسة و المسجد، و وسائل الإعلام... ذلك لضمان اعتدال و توازن السلوك و الوقاية من نزعة التطرف و الإنحراف.

نرجو من معالي الوزير أن يختم بما يراه مناسبا، و أن يحذف ما يراه غير مناسب و أن يضيف ما يراه مفيدًا...و لكم جزيل الشكر و التقدير و الإحترام.

 

أيها الإخوة المسلمون:

و قبل أن نختم و عملا بحديث رسول الله صل الله عليه وسلم:"من لم يشكر الناس لم يشكر الله". فإننا نتوجه بالشكر الجزيل إلى الدولة الجزائرية على ما تقوم به من أعمال جليلة لخدمة الجالية المسلمة و ذلك بما تقدمه من مساعدات لبناء المساجد و توسعتها و صيانتها و إرسال الأئمة الأفاضل في بعثات متتالية لتأطيرها و تعليم أبناء الجالية المسلمة أمور دينها و دنياها.

 

الــــدعـــــــاء