أنت هنا

خطاب فخامة عبد العزيز بوتفليقة رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية في افتتاح تظاهرة تلمسان، عاصمة الثقافة الإسلامية 2011

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية

 

رئاسة الجمهورية

خطاب

فخامة عبد العزيز بوتفليقة

رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية

في افتتاح تظاهرة

«تلمسان، عاصمة الثقافة الإسلامية 2011»

(تلمسان:يوم السبت 16 أفريل 2011)

بسم الله الرحمن الرحيم

و الصلاة و السلام علي أشرف المرسلين

و على آله و صحبه إلى يوم الدين

 

أيتها السيدات الفضليات:

أيها السادة الأفاضل:

إن تفضلكم باختيار مدينة تلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية لسنة 2011 لهو مبعث فخر للجزائر. ذلك أن الحاضرة هذه، بما لها من تاريخ حافل، تنطوي على نفائس فنية و ثقافية        لا تحصى عددا و هي منشأ العديد من دهاة الفكر و أجلة علماء الدين و كبار الفلاسفة و فحول الشعراء و نجوم الموسيقى.

لقاء هذا الاختيار، أزجي الشكر و العرفان لكافة الدول الإسلامية و المنظمة الإسلامية للتربية و العلوم و الثقافة، و على رأسها معالي الدكتور عبد العزيز التويجري، من حيث إنهم شرفوا الشعب الجزائري و واحدة من حواضره التاريخية.

سيتاح لكم، على مدار هذه السنة، أن تقدروا المكانة التي تحظى بها الثقافة في وجدان الشعب الجزائري و الاحترام الذي يكنه لأهل الثقافة نساء و رجالا  على اختلاف مجالات إبداعهم.

و من خلال الأسابيع الثقافية التي ستقام بتلمسان و غيرها من مدن البلاد، سيتاح لبنات الجزائر و أبنائها الاستمتاع بثقافات غيرها من الدول الإسلامية، بسعة ثرائها و غزارة تنوعها. من حيث انتماؤها إلى أفريقيا و آسيا و أوروبا و أمريكا، ستقدم هذه الثقافات للجزائر أحسن صورة للثقافة الإسلامية التي وُفقت شعوبكم، منذ نزول الرسالة القرآنية بإدماج ثقافات سابقة، في تشكيلها و صياغتها و إبداعها بحس إنساني موصول التجدد، مبرهنة على أن الثقافة هي عامل إدماج و اندماج.

إن الجمع بين عبقريات كافة الشعوب الإسلامية و مواهبها و إبداعاتها الثقافية و الفنية و العلمية سيمكننا من الإسهام أيما إسهام في تعميق تنوع البشرية الثقافي .

أيتها السيدات الفضليات:

أيها السادة الأفاضل:

إن الوطن هذا و الحاضرة هذه، حيث حللتم بها أهلا و نزلتم سهلا، يفخران كل الفخر بمآثر السلف و بما كان لهؤلاء من إسهام في تراكم معارف الأمة الإسلامية و صياغة ثقافتها. فقد كان للعديد من حواضر الجزائر، منذ العهود الخوالي، إشعاع ازداد توهجا بمقدم الإسلام. و من ثمة، كانت كل من قسنطينة و بجاية و الجزائر و قلعة بني حماد و تيارت و غرداية و أدرار إلى جانب تلمسان، من باب الذكر لا الحصر، حواضر عملت على نطور العلوم و المعرفة و التعليم، كما ساهم ما كان من علاقات و اتساع رقعة الحركة التجارية محليا و دوليا في إقامة تبادلات مثمرة.

استطاعت مدينة تلمسان أن تنمي و تحافظ على العديد من الحرف الفنية التي يبرهن تأنقها على المهارات الفائقة لحرفييها. و التأنق هذا نلمسه في الأداء الموسيقي الذي انطلق من بلاد المغرب ثم عاد إليها من الأندلس، و الذي ينم عن مواهب مجتمعها المتميز بالمستوى الثقافي المرموق و طيب المعشر. ما يزال هذا التراث العريق حيا بالممارسة في بلاد المغرب كلها، بل تجاوز حدودها، و ما انفك يثري الإبداع الموسيقي الوطني المعاصر، مشكلا بذلك أفضل مثال للرصيد المنهل الذي يمتح منه الإبداع الحي.

 

أيتها السيدات الفضليات:

أيها السادة الأفاضل:

إن المبتغى من البرامج الثقافية و الفنية و العلمية التي صيغت بمعيتكم، هو أن يعلم العالم أن الثقافة الإسلامية قد وفقت، على مر القرون و حيثما انتشرت، في إدماج الثقافات الأخرى بما لها من جوانب الامتياز و السبق. هذا، و يتوخى من هذه البرامج إبراز حداثة الثقافة الإسلامية و التذكير بمشاركتها الحاسمة المشهودة في كبريات الاختراعات و الابتكارات التي تخللت مسيرة تقدم البشرية.

 

 

ستقام معارض تعكس ما للثقافة الإسلامية من طارف و تليد و تسلط الضوء على معلمات الماضي، و على علية أعلامنا إلى جانب الإنتاج الأدبي و العلمي الذي بات العالم بأسره يتقاسمه معنا اليوم. لقد بدأ البعد الإنساني الإسلامي يسترجع المكانة التي فقدها، بسبب ما لحقه من مظاهر الاستعمار المختلفة التي ابتلاه بفعلها ما ابتلاه من نهب و استلاب و مسخ للشخصية و تلبيس بثقافة الغير.

هذه الأرصدة جعلت من شعوبنا الورثة المؤمنين على جزء من ذاكرة العالم.
و هي تحكي عن مساراتنا، و نجاحاتنا و إخفاقاتنا. فبكل هذه المعلمات و هذه الحواضر و هذه التركات و المواريث تحددت هويتنا، و تشكل تميزنا وصيغت كينونتنا، من حيث إننا شعوب ضاربة بأطناب عراقتها في أعماق تاريخ الثقافات البشرية.

ستكون الملتقيات العلمية الدولية الرفيعة المستوى، التي ستنظم بمناسبة هذه السنة، فرصة لأهل العلم من المسلمين و غير المسلمين للوقوف على حصيلة المعارف
ذات الصلة بشتى المواضيع المتعلقة بالثقافة و التاريخ و بما أحرزته شعوبنا من تقدم .

أيتها السيدات الفضليات:

أيها السادة الأفاضل:

إننا نؤمن بوحدة البشرية، و لئن كانت ثقافاتها عديدة و مختلفة و متنوعة و كانت كلها جديرة بالاحترام، فإن هناك حضارة عالمية تشمل كل هذه الثقافات.
و نحن من دعاة الحوار و التبادل و التقاسم بين الثقافات، لأن ذلك هو صميم ما دعتنا إليه رسالة القرآن الكريم الموجهة إلى بني الإنسان قاطبة بنصه: «و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا».

 

ستحسن سنة الثقافة الإسلامية هذه معرفة الغربيين للإسلام، و ستتيح مزيدا من التفاهم بين الشعوب. فيتعين علينا أن نعمل يدا واحدة ليس من أجل التجابه و التنافر، و إنما من أجل بناء التوافق و الحوار و التبادل لأن ذلك هي الأسيسة التي نرسي عليها المصالحة الكبرى بين الثقافات البشرية .

إنّ مساوقة ثقافتنا مع العولمة تشكل تحديا علينا أن نغالبه. لا مناص لنا من الولوج في هذه الحداثة، اليوم أكثر من أي وقت مضى، بما يفي بمراعاة شخصيتنا و قيمنا. سنقول للعالم، بمناسبة هذه السنة، إننا لا ننوي التنكر، قيد شعرة، لا لعقيدتنا و لا لقناعاتنا و لا لديدننا في الوجود، لكننا لن نقبع على حافة الطريق قبوع المتفرج على مرور موكب العصر. نحن مثلا غيرنا تَمُتُّ إلى الحداثة بما لنا من إيقاعات و أغان و قصص و كتب و أفلام و تأليف مسرحي و إبداع و مواهب .

إننا نريد لعصورنا الذهبية أن تكون عمادا لحاضرنا، ذلك أنه لا غنى للثقافة البشرية عن مناهلنا الروحانية و الثقافية و التاريخية و عن روائع مخيالنا.
لا يكفي عصورنا الذهبية أن تعدد مآثرها بل هي تنتظر منا تجديدها و جعلها تتواصل في الحاضر و تشق طريقا لها فتمضي قدما و تكون الزاد الذي تتأمل به الأجيال. إننا نريد جعل الماضي نبراسا ينير طريقنا لأننا نعلم علم اليقين أن معاصرة الحداثة لا تكفي لنكون منها و إليها.

هذا، و أوّد التذكير بأن إبداعاتنا، تشهد بجودتها و كثرتها و تأنقها، في الآن ذاته، على ما يتمتع به مبدعونا من حس مرهف و على الحرية التي ينعمون بها في التعبير عنه من خلال إنتاجهم. يتمثل دور كل دولة في الدفع بسياسات ثقافية قدما و إدارتها و تشجيعها و إمدادها بالوسائل و تهيئة الظروف المواتية لها و رسمها و تنفيذها.
و هذا هو بالذات ما تعكف عليه الدولة الجزائرية من خلال فتح المجال واسعا أمام ذوي المواهب، و التعبير عن عرفانها للمبدعين و جمع شملهم من خلال أعمال خلاقة، إلى جانب تمكين أهل الإبداع و الفكر و الفن و الابتكار من الوسائل الضرورية لتفتيق عبقرية شعبنا و مواهبه .

 

أيتها السيدات الفضليات:

أيها السادة الأفاضل:

يواجه العالم الإسلامي اليوم عقبات عدة من شأنها أن تحول دون صيرورته إلى كيان ثقافي مستقر يُحسب له حساب في حظيرة الأمم. فهذا يقتضي منا تضامنا أكثر فعالية و تكثيف شبكات تعاوننا. إن سنة «تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية» حدث هام سيمكّننا من قياس خصوبة ثقافتنا و قدراتها الإبداعية و ما تمثله كقوة اقتراح.

بطبيعة الحال، لابد أن نشرع في تقصي تراثنا المتنوع و دراسته و تدوينه و تثمينه. فالأمر هذا مهمة نبيلة، بل هو واجب ليس تجاه أسلافنا الذين أدّوا ما عليهم فحسب، بل تجاه خَلفِنَا بوجه أخص. و إنّ خير ما نوظف به هذا الماضي و هذا التاريخ و هذه الأرصدة هو أن نجعل منها زادا و أرضية انطلاق نحو المستقبل لشبيبتنا.
إذ يستحيل تصور أية تنمية مستدامة لا يكون الإنسان غايتها و وسيلتها.
إننا نريد لتظاهرة:«تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية» أن ترتقي إلى المستوى الذي يليق بمقام ثقافتنا و حضارتنا .

فدعوني أعلن افتتاحها من منطلق هذه الروح، و أنا كلي تفاؤل و استبشار .

أشكركم على كرم الإصغاء.

و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته