أنت هنا

حفظ النفس في الإسلام

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي أفاض علينا من نعمه وهدانا للإيمان بفضله وجوده نسأله أن يجنبنا مرارة الظالمين وأن يجعلنا يوم الحساب من الآمنين وأشهد أن لا إله إلا الله ذو القوة المتين وأشهد أن سيدنا محمداً رسول رب العالمين أخرجنا من الظلمات إلى النور وهدانا إلى الصراط السوي المبين فاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وكل من تمسك بهديه وسار على نهجه.

أما بعد أيها الإخوة المؤمنون فإن الله تبارك وتعالى حينما خلقنا لم يخلقنا عبثا ولم يتركنا هملاً بل فضلنا على سائر مخلوقاته فقال جل من قائل: ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا) الإسراء 70، وإن أعز ما يمتلكه الإنسان هي نفسه التي بين جنبيه فمن أجلها يكد ويشقى وبالمحافظة عليها يسر ويرقى ومما لا شك فيه فإن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان فخلقه بيده ونفخ من روحه وأسجد له ملائكته وسخر له ما في السموات والأرض جميعاً وجعله خليفة عنه وزوده بالقوى والمواهب ليسود الأرض وليصل إلى أقصى ما قدر له من كمال مادي وارتقاء روحي، ولا يمكن أن يحقق الإنسان أهدافه ويبلغ غايته إلا إذا توفرت له جميع عناصر النمو وأخذ حقوقه كاملة غير منقوصة، وفي طليعة هذه الحقوق التي ضمنها الإسلام حق الحياة.

لقد اتفقت الشرائع السماوية كلها على أن تحفظ للإنسان خمس ضروريات بها قوام حياته وعليها مدار وجوده، هذه الضروريات هي:

الدين – والنفس – والعرض – والعقل – والمال.

نكتفي بالحديث عن النفس أو الحياة وما يهددها من أخطاء، لقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال : " أيها الناس إن نساءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت فاللهم فاشهد إلى أن قال كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه...".

ويقول الله تبارك وتعالى : ( ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق) الأنعام151، وإن الحق الذي تزهق به النفس ما فسره الرسول الكريم حينما قال : "لا يحل دم أمرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني - أي المتزوج إذا زنى – والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة" يعني المرتد عن دين الإسلام، ففي هذه الحالات الثلاث يجوز إزهاق النفس وقتلها اقتصاصاً من الجاني.

ومن حرص الإسلام على حماية النفوس أنه هدد من يستحلها بأشد عقوبة فيقول الله تعالى : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً) النساء: 93، والرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يقول: " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق" رواه ابن ماجة بسند حسن وروى الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار".

وقد يستوي في التحريم قتل المسلم الكافر وقاتل نفسه، ففي قتل الكافر جاءت أحاديث صحيحة توجب النار لمن قتله، روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وأن ريحها يوجد في مسيرة أربعين عاماً" هذا بالنسبة للكافر فما بالكم بالمؤمن، أما قاتل نفسه فإن الله يقول : ( ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيمًا) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في دار جهنم يتردى فيها خالداً مخلدا فيها أبداً ومن تحسى سمًا فقتل بها نفسه فسمه في يده يتحساه في دار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يترجا في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدًا" ولعظيم أمر الدماء وشدة خطورتها فهي أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة.

وأعلموا أيها الإخوة أن القتل ينقسم إلى ثلاث أقسام:

- قتل العمد وشبه العمد وقتل الخطأ، فالقتل العمد لا يتحقق إلا إذا توفرت فيه الأركان الآتية: أن يكون القاتل عاقلا بالغاً قاصداً الجريمة يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " رفع القلم عن ثلاث : عن المجنون حتى يفيق وعلى النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم"، وإذا كان القتل عمداً فإنه يترتب عليه القصاص، وقد شرع القصاص، لأن القاتل إذا علم أنه سيقتل كما قتل لا شك أنه سيرتدع فيحيي نفسه من جهة ويحيي من كان يريد قتله من جهة أخرى.

- أما القتل الخطأ هو : أن يفعل المكلف ما يباح له فعله فيصيب إنسانا معصوم الدم فيقتله عن غير قصد، كمن يحفر بئراً فيرتدي فيها شخص أو يدوس إنساناً بسيارته أو يتسبب في حادثة من حوادث المرور تودي بحياة شخص أو أشخاص إلى الوفاة ففي هذه الحالة لا يقتص من المتسبب في القتل لأنه لم يفعل ذلك عن قصد وإنما عن خطأ، وكما هو معلوم فإن القتل الخطأ يوجب أمرين أحدهما الدية، وثانيهما الكفارة وهي عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.

قال الله تعالى : ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلاّ خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله، إلاّ أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله، وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله علميًا حكيمًا) النساء: 92.

- اللهم إنا نشهد أن الإسلام بريئ من قاتل الأنفس ونشهد أن الإسلام بريئ من سفك الدماء وإهدارها.

- اللهم إنا نشهد أن الإسلام بريئ مما يرتكب من إزهاق للأرواح واغتيال للأبرياء وبريئ من الإرهاب ومن العنف والتطرف وبريئ من كل عمل يفرق الجماعات ويشتت الصفوف فـ ( ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحببكم).

- اللهم اجعلنا ممن يستجيبون لك وممن يستجيبون لنبيك.

- اللهم اجعلنا من المؤمنين الطائعين، اللهم باعد بيننا وبين فعل الحرام وبيننا وبين المنكرات كما باعدت بين السماء والأرض، اللهم أجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه يا أرحم الراحمين أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مديرية الشؤون الدينية والأوقاف

لولاية تلمسان