أنت هنا

اليوم العالمي لحقوق الإنسان

الخطبة الأولى:

         الحمد لله الذي شرع فأحكم ، وخلق فسوى ، خلق الإنسان من علق فكرمه ، سبحانه من إله حكيم عزيز لطيف خبير قال في محكم كتابه :" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا " ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ولا والد ولا ولد ولا صاحبة ، أرشد البشرية في كتابه إلى حقيقتها فقال :" يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير " ونشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب المحجة البيضاء والمبعوث بالعدل وإيفاء الحقوق إلى أهلها ، وهو المعلن للمساواة وإلغاء التمييز فقال :" يا أيها الناس إن إلهكم واحد ، كلكم لآدم ، وآدم من تراب ، ليس لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أبيض ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى " صلى الله وسلم وبارك عليه ورضي الله عن آله وذريته وأزواجه وأصحابه الذين ساروا على منهجه وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد أيها المؤمنون أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله تعالى وطاعته .

عباد الله يقول المولى تبارك وتعالى :" ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " .

أيها الإخوة المستمعون إن خالق الخلق قد خلق الإنسان وصوره في أحسن تقويم وركبه في أفضل هيئة " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " وكرمه على بقية المخلوقات فأسجد الملائكة له قال تعالى :" ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين " وفضله على سائر المخلوقات وسخرها له بأن جعلها خادمة له وهو المخدوم ، وهداه السبل وبعث إليه النبيئين والرسل مبشرين ومنذرين ، وكلفه بالشرائع ، وأناط ذلك بفضيلة العقل وزينه به لأنه أساس التكليف وسر تحمل المهام والمسؤوليات ، وجعله الخليفة في هذه الأرض : " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون " .

أيها المسلمون صدق ربنا العظيم العالم بأحوال خلقه فهو القائل :" ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " فما خلق الله سبحانه الإنسان ولااستخلفه عبثا ، ولا فضله على بقية المخلوقات اعتباطا ولا رزقه الحياة ليعيش في هذه الدنيا عيشة غير سوية ، ولا زينه زينة العقل سدى وسلبها من غيره ظلما وتعديا ، وما مكنه في الأرض ليعيث فيها فسادا ويهلك الحرث والنسل ، وإنما فضله وخلقه ورزقه وزينه واستخلفه ليعبد الله حق عبادته ويؤدي طاعته ويوحده ويقيم شرائعه ويتبع كتبه ورسله قال سبحانه :" أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا " وقال :"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " هذه الحقيقة هي علاقة الإنسان بربه وهي من ضمن ثلاث علاقات حددها التشريع الإسلامي ليجعلها أساسا تبنى عليه حقوق الإنسان ، أما الثانيتان فهما : الأولى : علاقة الإنسان بنفسه إذ يجب عليه تزكيتها وتطهيرها والسمو بها إلى درجات عالية من الهمة السامية قال تعالى :" ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها " وقال :" إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها " ، والأخرى : علاقة الإنسان بمجتمعه : علاقة الإنسان بوالديه وأهله وأولاده ، وعلاقة الإنسان ببني دينه ، وعلاقة الإنسان ببني جنسه البشري ، حدده الإسلام في نظام عجيب فريد حفاظا لحقوق الفرد وحفاظا على حقوق المجتمع ، فضمن بذلك للمجتمع تكافله وترابطه ووحدته وجميع حقوقه ، وكفل للإنسان حقه ، فضمن له حقه في الحياة والحرية والمساواة وفي حرية الرأي والتعبير وعدد له حقوق كثيرة كحقه في تكوين أسرة، وحقه في التملك الخاص ، وحرمة الإنسان حيا وميتا ، وغيرها من الحقوق الكثيرة المكفولة والتي تضمنها تشريع الإسلام الصالح لكل زمان ومكان وإنسان .

عباد الله : إن الإسلام دين رباني سماوي ، وإن نظرته إلى حقوق الإنسان أساسها ليس كنظرة بعض الفلاسفة والقانونيين ، وإنما أساس تلك النظرة الإسلامية لحقوق الإنسان ينطلق من التكريم الإلهي للإنسان أي أنه إقرار للكرامة الإنسانية ، وهذا معنى دقيق وشامل ولذا قال سبحانه وتعالى :" ولقد كرمنا بني آدم " فتكريمه يستلزم الاعتراف بالحرية والعدل والسلام والحقوق الضرورية أو الحامية للحياة الإنسانية في العلم والتربية والعمل والكسب والإنتقال وغير ذلك .

أيها المسلمون : لقد جاءت هذه الحقوق في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولم تبق شيئا متْلُوًا فقط أو تشريعا محبرا على الأوراق أو حبيس الرفوف كما هي بقية الأنظمة والقوانين البشرية بل طبقها حقيقة على أرض الواقع سيدنا محمد نبي الإنسانية صلى الله عليه وسلم وصارت واقعا ملموسا عنوانه " الناس سواسية كأسنان المشط " وتبعه في ذلك التطبيق صحابته الكرام يسوسون بها الناس ويعلون بها صرح الحضارة الإنسانية، ولسان حالهم ومقالهم لينطقوا فيقول :" متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " حتى إذا رأى الناس تلك الحقيقة في الواقع كما هو منطوق بها في السنة ومتلو بها في الكتاب ولاحظوا تلك الحقائق ظاهرة للعيان وأن الحقوق مكفولة نظريا وواقعيا لكل إنسان . اعتنق الناس هذا الدين لأنهم وجدوا فيه سعادتهم الفردية والجماعية، وضمان حقوقهم وتيقنوا فيه حسن عاقبتهم .

فاللهم ارزقنا التمسك بهذا الدين والاعتصام بهدي خير النبيئين ، " سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وهو القائل :" إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي " ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الأكرمين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

عباد الله : لقد تم إعتماد 10 من ديسمبر من كل سنة يوما للإعلان العالمي عن حقوق الإنسان رسميا ، وإذا كانت حقوق الإنسان في الإسلام قد أعلنت منذ خمسة عشر قرنا أي في القرن السادس الميلادي ، فمتى تم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واعتماد هذا التاريخ مناسبة من كل عام للاحتفال بذلك والتنويه بتلك الحقوق وبتلك الجهود الدولية .

لا يخفى- أيها المؤمنون – أن العالم الغربي كان يسوده في العهود الماضية ظلم وتعسف واستبداد ديني وسياسي وامتهان للكرامة الإنسانية وإمعان في النظام الطبقي ومصادرة للأموال ومخاز كثيرة مؤسفة ، فكان هناك الفجـر من هذه الأحوال فقامت الثورة الفرنسية التي صاحبها صدور وثيقـة حقوق الإنسان والمواطن في 4 أوت 1789 م ، كما يمكن الإشارة أنه سبقها إعلان لبعض الحقوق في انجلترا وأمريكا يكرس الاعتراف ببعض الحقوق ردا على الوضع السائد البائس في تلك العهود ، ولذا يقال بأن القرن الثامن عشر للميلاد هو قرن حقوق الإنسان والفارق في المدة ظاهر بين القرن السادس للميلاد والقرن الثامن عشر ، ثم ظهر في القرن العشرين وثائق دولية عن حقوق الإنسان وأهمها إعلان سنة 1919 م في عهد عصبة الأمم وتبعه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر 1948 م الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في إحدى وثلاثين مادة ، تتضمن تلك المواد إقرار كثير من الحقوق ووجوب المحافظة عليها واحترامها ، ومن يومها عد العاشر من ديسمبر يوما للإعلان العالمي لحقوق الإنسان .

أيها المؤمنون : إن الناظر إلى تلك الحقوق كما تضمنها ذلك الإعلان العالمي لا يجد فيها معارضة للدين الإسلامي ولذلك فإن الإسلام يقر ما تضمنه ذلك الإعلان من الناحيتين النظرية والعملية ، ومع ذلك فإن له تحفظات على بعض المواد (1) لأنها تخالف تشريعه السماوي وتعارض أحكامه .

لذا أيها المؤمنون فإن حقوق الإنسان مكفولة ، وقد سبق الإسلام بقية الأنظمة والقوانين والمواثيق الدولية إلى الإعلان عن حقوق الإنسان واعتمادها ، إلا أن الإسلام لا يعترف بشيء آخر وهو أن يعترف بالحقوق نظريا ولا يعترف بها عمليا ، إن الإسلام أقر الحقوق نظريا واعترف بها وطبقها عمليا ، إلا أن الأنظمة والمواثيق الدولية نرى أنها لا تراعي ولا تحترم ما ألزمت به نفسها وغيرها من وجوب احترام حقوق الإنسان والشعوب ، فهاهي كرامة كثير من الناس وكثير من الشعوب تداس على مرأى ومسمع من الأمم المتحدة ، كما هو واقع للإنسان المسلم في بعض الأقطار بصفة عامة وللإنسان الفلسطيني بصفة خاصة،وهذا مثال واحد من ضمن عدة أمثلة يعطينا تلك الفجوة الحاصلة بين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نظريا وواقعيا .

فاللهم ألهمنا رشدنا ، اللهم  حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين ، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك .

عباد الله " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون "

--------------------------------------------

(1) – هذه المواد هي :

       - المادة (16) المتعلقة بحق الرجل والمرأة في التزوج وحريتهما في تكوين أسرة من غير تقيد بسبب الجنس أو السن أو الدين .

      - المادة (18) المتعلقة بحق الإنسان في تغيير دينه واعتقاده .

       - المادة (25) التي تقر بثبوت النسب من غير طريق شرعي .

 

 

                                                       عبد السلام الأسمر بلعالم : إمام أستاذ

                                                  مديرية الشؤون الدينية والأوقاف لولاية ورقلة