أنت هنا

الطفولة في الإسلام

الخطبة الأولى:

عباد الله : إن الطفولة أهم مرحلة عند الإنسان، تتميز بصفات وخصائص واستعدادات، فهي أساس ما بعدها من المراحل، وجذور لمنابت الانفتاح والمناقل، تتفتق فيها الملكات، وتبرز المؤهلات، وتنمو المدارك، ويتجاوب الإنسان مع الحياة سلبا وإيجابيا ، وتتحدد نزعاته نحو الخيرات أو الشرور، وفيها تأخذ شخصيته في التكون والظهور، لتتميز عن غيرها من الشخصيات، فطفولة الإنسان بيضاء مفتوحة يسجل فيها كل ما يرد عليه من حوادث وانطباعات ترتسم في مخيلته وذاكرته .... وهي أرض صالحة للاستنبات، فكل ما يغرس فيها من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وكل ما يزرع فيها من بذور الشر والفساد، جنا ثمرة الغرس العباد والبلاد، وفي هذه المرحلة يكتسب الطفل من محيطه العادات السارة والضارة، والأخلاق الكريمة أو الذميمة، والاتجاهات الصحيحة أو الفاسدة، والسبل القويمة أو المنحرفة، فعلى الوالدين واجب تربية الطفل تربية صالحة، وتدريبه فكريا وتثقيفه أدبيا، ليكتسب منهما العادات الفاضلة والأخلاق الكاملة عن طريق القدوة الصالحة أو التعليم والتربية، لأن توجيه الوالدين في الطفلولة  له بالغ الأثز في صياغته وحسن تقويته، فإن قاما بواجبهما تحوه بنيا فيه الرجولة وحب البطولة، وقبل ذلك كله العقيدة السليمة التي هي أساس كل شيء، وإن هملا وقصرا في حقه وتهاونا في تربيته أسلماه إلى الفشل في الحياة، وألقيا به بين أنياب الضياع والحرمان.

عن أبي هريرة ورضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"(متفق عليه).

لذا اعتني الإسلام بالطفل قبل وبعد الكينونة، فحفظ له حق النفقة حملا وطفلا، نفقة وكسوة وعلاجا يقول الحق جل جلاله: ((..وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ
فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ))
[الطلاق:04] وحرص على نفسية أمة فترة حمله عناية به، قال تعالى: ((أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ..))[الطلاق:04] فالطفل في بطن أمه شديد التأثر بحالها، قلقا واضطرابا وتعبا، فإن نصيبا من ذلك يناله، فكان الغالب على أبناء الأسر المظطربة عدم الاستقرار والانحراف، والعكس بالعكس. وحثّ الشرع على اختيار الزوجة الصالحة، لأن الأم هي أول من يفتح الطفل عينيه عليه، فيراها تبتسم له وتحتضنه وتحنو عليه، فيتأثر ويشعر أنها الملجأ الأمين الذي يثق به، فهي تطعمه وتدفئه، وتضحكه وتناغيه، وتدفع عنه الأذى، وتوفر له سبل الراحة، وتقضي حاجته،  فلهذا كان الأمر باختيار المرأة الصالحة لتكون أملا لتربية الطفل تربية سليمة. فاهتمام الإسلام بالطفل منذ البداية واضح إذا نحن تحدثنا عن اختيار الاسم الطيب وحضانته والنفقة عليه وإرضاعه الرضاع الكامل وغير ذلك.

فكان من حق الطفل على أبيه أن يختار له أمه، روى البخاري وسلم وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تنكح النساء لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ". وروي عن عائشة رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "تخيروا لنطفكم" (رواه ابن ماجه والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن والسيوطي في الجامع الصغير وصححه).

وفي تأثر الذرية بآبائها يقول الحق سبحانه وتعالى: ((ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْض وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [آل عمران:34]. فعندما تُسأل: من أين هذه الثمرة؟ من هذه الشجرة. فلا تظنن الإنسان مقطوع الصلة بوالديه وأجداده وتاريخه.

وهل يرجى لأطفال         إذا رضعوا ثدي الناقصات

كما أن من حقه على أمه و ذويها اختيار الأب الفاضل عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا خطب إليكم من ترضون دينه و خلقه فزوجوه " ، فلا تزوج المرأة فاسقاً غارقاً في المعاصي و المنكرات ، صح عن الإمام الشعي قوله :" من زوج كريمته فاسق فقد قطع رجمها ".

فإذا ولد أكرم وفرح به سواء كان ذكراً أو أنثى، و يذكر الله تعالى و يشكر، و يعبر عن ذلك بنسيكة تعق عنه في يومه السابع .

و يسمى اسماً حسناً ، لتأثيره إيجاباً في شخصية الإنسان، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الأسماء الجميلة، ويكره القبيحة و يبدلها عن ابن عمر رضي الله عنه .... أن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم عاصية ، و قال :"أنت جميلة" (أخرجه مسلم والترمذي).

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله عليه وسلم :"إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم و أسماء آبائكم ، فأحسنوا أسماءكم" (أخرجه أبو داود بإسناد جيد وابن حبان في صحيحه).

ومن حق الطفل على أمه الرضاعة الطبيعية ، قال جلا في علاه: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ))[البقرة:231]،فلا أفيد للطفل من حليب أمه.سماء أسما

كما لا يخفى على أحد أن رضاع الأم يكون ممزوجا بعطفها وحنانها ودفئ أحضانها، وفي ذلك غذاء عاطفي، يحتاجه الطفل كحاجته للطعام والشراب.

عباد الله: لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، وأعظم الناس مكانه، وهو القدوة في كل شيء ، فبالرغم من مسؤولياته وأعبائها، فإنه كان يراعي أحوال الأظفال ويهتم لأمرهم، فيداعب أبناءه وأبناء المسلمين، فعن أنس بن مالك رض الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالطنا حتى كان يقول لأخ لي صغير: (يا أبا عمير، ما فعل النغير؟)" فليس من الديانة والرجولة دوام الانقباض مع الأطفال، لما يخلفه ذلك من الانطواء على ذواتهم وعدم كشفهم عن نواياهم وانشغالاتهم.

وإليكم يا عباد الله نماذج معاملته صلى الله عليه وسلم للأطفال:

جاءت أم قيس بنت محصن إلى رسول الله بابن لها صغير لم يأكل الطعام، فحمله رسول الله صلى الله عليه وسلم فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه عليه ويغسله.

عباد الله، لقد كان صلى الله عليه وسلم يلاعب الأطفال، ويمشي خلفهم أمام الناس، وكان يقبلهم ويضاحكهم. روى الإمام أحمد وابن ماجه والبخاري في الأدب المفرد عن يعلى بن مرة رضي الله عنه قال: "خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد دعينا إلى طعام فإذا الحسين بن علي يلعب في الطريق، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم أمام القوم ثم بسط يديه ليأخذه، فطفق الغلام يفرّ ها هنا ويفرّ ها هنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يلحقه يضاحكه حتى أخذه، فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى في رأسه ثم اعتنقه ثم أقبل علينا وقال: "حسين مني وأنا من حسين".

ألا فاتقوا الله عباد الله، وراقبوه فيما تحت أيديكم وما استرعاكم الله.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعنا بما فيهما من الآيات و الحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفرةه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله يقول الحق وهو يهدي السبيل، أحمده سبحانه وأشكره وهو حسبنا ونعم الوكيل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ندّ ولا مثيل، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله جاء بأشرف تنزيل، ودعا إلى كل خُلق جميل، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، أدّوا الأمانة، ونصحوا الأمة، وحفظوا هذا الدين من التحريف والتبديل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله: فالأطفال هم حياة البيوت، فالبيت الذي لا أطفال فيه هو بيت فيه نقص وملل، فكما أنهم يملأون البيت إزعاجا، فكذلك يملأونه سرورا وابتهاجا.

سئل غيلان بن سلمة الثقفي: من أحب ولدك إليك؟ فقال: "صغيرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يشفى، وغائبهم حتى يحضر".

عباد الله، شعور يحس به الوالد حين يرى صغاره أمامه، ويتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه"، ويرى ما هو فيه  وما مر به من فتن لا يثبت فيها إلا من عصمه الله، وماذا بعده؟ أو كيف السبيل إلى وقايته مما أمامه.

ألا فاعلموا عباد الله، أن ثمة أمورا جعلها الله من أفعال الآباء ينتفع بها الأبناء من بعدهم، ومن أهمها صلاح الوالد في نفسه، فإنه سبب لحفظ الله عزوجل لأبنائه من بعده، يقول سبحانه وتعالى:((وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَاوَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ))[الكهف:82]، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "حفظهما الله بصلاح والدهما ولم يذكر الله للولدين صلاحا" وصلاح الآباء ينفع الأبناء.

وإن الله بفضله وكرمه إذا أدخل المؤمنين الجنة يُلحِق بالآباء أبناءهم وإن كانوا دونهم عملا، يقول الله سبحانه: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ))[الطور:21].

يقول ابن عباس رضي الله عنه في هذه الآية: "إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل كي تفرّ بهم أعينهم".

عباد الله، لا يغلبنّكم الشيطان على الدعاء للولد، فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة أنه قال: "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن، وذكر منهن: دعوة الوالد لولده"(الجامع الصغير).

ولقد كان دأب الأنبياء عليهم السلام الدعوة لأبنائهم، يقول سيدنا إبراهيم عليه السلام: ((وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ))[إراهيم:35]، ((رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ * وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء))[أبراهيم:40]، وقال هو وولده اسماعيل: ((رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ))[البقرة:128]. وقال سيدنا زكريا: ((رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ))[آل عمران:38]

فاتقوا الله عباد الله، واعملوا صالحا، وسيروا على النهج القويم، وأصلحوا ما كان سيئا، تسعدوا في حياتكم وبعد وفاتكم.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون..