أنت هنا

رسالة الجزائر بمناسبة-الملتقى الدولي حرية ممارسة الشعائر الدينية، حق يكفله الدين و القانون -

بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و صحبه و على رسل الله و أنبيائه أجمعين

"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (سورة الحجرات: الآية 13)

يسعد الجزائر التي تحتضن ملتقى "حرية ممارسة الشعائر الدينية حق يكفله الدين و القانون" أن تصدر هذا البيان لتؤكد حرصها الدائم على إبراز الإسلام في حقيقته الجوهرية باعتباره عقيدة و شريعة و رسالة حضارية إنسانية عالمية جاء به محمد المصطفى الهادي الأمين المبعوث رحمة للعالمين  ؛ هذه الحقيقة الجوهرية التي تتعرض اليوم للاضطراب بفعل من يشوهون صورة الإسلام جهلا أو قصدا ، و من يسيئون تمثيله بما يصدر عنهم من تعصب و تطرف و عنف معارض و منافٍ لتعاليمه السمحة و أحكام شريعته الخالدة .إن الجزائريين و الجزائريات الذين شكل الإسلام ذهنيتهم وصاغ وجدانهم منذ أنار ربوعهم بنور هدايته ، قد جسدوا في مختلف مراحل تاريخهم هذه القيم و هذه المعاني و حرصوا دائما على إبراز هذه الصورة المشرقة الأصيلة للإسلام .إن الجزائر التي عانت ويلات الاستعمار قديما و عرفت مخاطر التطرف و العنف حديثا ، تنعم اليوم بالأمن و الأمان و الاستقرار بحمد الله؛ و قد ابتهج الصديق قبل الشقيق بما تشهده من نهضة شاملة و هي أكثر ما تكون اطمئنانا لحاضرها و تفاؤلا بمستقبلها و طموحا إلى بناء مجتمع إسلامي عصري أصيل وفق تعاليم الإسلام السمحة ، التي تدعو إلى الحرية و الكرامة الإنسانية و التعارف و التعايش و الحوار التفتح و قبول الآخر و احترام حقوقه و حرياته و على رأسها حرية المعتقد .فلا غرابة أن تبارك كل مبادرة و جهد يرمي إلى تصحيح النظرة الخاطئة إلى الإسلام و الفهوم الضعيفة لمقاصد شريعته ، التي جاءت لتحقق خير الإنسانية جمعاء في إطار وحدة الجنس البشري ، التي يتساوى فيها نبو آدم في الحقوق و الواجبات ، و يعملون فيها جميعا من أجل التمكين لمبادئ الحرية و العدل و تحقيق الأمن و السلام في العالم ، باعتماد المشترك العام بينهم جميعا ، على أساس الحوار المثمر و البناء بين الديانات و الثقافات و الحضارات .إن أصل الديانات السماوية واحد ، و القرآن الكريم يدعونا إلى الإيمان بجميع الأنبياء و الرسل و لا يفرق بين أحد منهم "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و رسله و كتبه لا نفرق بين أحد من رسله و قالوا سمعنا و أطعنا غفرانك ربنا و إليك المصير (البقرة 285) .و الإسلام كرم الإنسان المطلق بغض النظر إلى دينه أو جنسه أو لونه "ولقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر وَرَزَقناهم من الطيبات و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (الإسراء 70) .و من أجل تجسيد معنى هذا التكريم في السلوك الفردي و الجماعي دعا إلى التسامح و اللين و الرفق "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه و لي حميم" (فصلت 24) . كما دعا إلى احترام المواثيق و العهود و الوفاء بمضامين هذه المواثيق و العهود "و أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم و لا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها و قد جعلتم الله عليكم كفيلا" (النحل 91) .إننا نؤمن بأن تجسيدنا لهذه المبادئ و المعاني و القيم هو الذي يمكننا نحن المسلمين من المشاركة الفاعلة المثمرة و المشرفة في المجتمع الإنساني المعاصر و الإسهام في رقيه و تقدمه ، كما يسمح لنا بتقديم الصورة الحقيقية للمجتمع المسلم ، كما يريده الإسلام ، في تعامله مع الآخرين في إطار التآلف و التعاون على الخير و الحق و الأمان و السلم لإسعاد الناس جميعا .و لا تخفى هنا مسؤولية العلماء ، باعتبارهم المعول عليهم قبل غيرهم في إبراز هذه الحقائق كلها ، لتستنير بها الأجيال الصاعدة ، و تحصنها من الجهل و التعصب و التبعية و التطرف و العنف ، و تبصرها بمسؤوليتها في تقديم الإسلام باعتباره سلاما و أمنا على البشرية لتنهض هذه الأجيال بأمتها و تقتدي بأسلافها الذين صنعوا أول حضارة عالمية كرمت الإنسان كإنسان ، تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر و تؤمن بالله ، فجسدت بذلك وصف القرآن لها بأنها خير أمة أخرجت للناس ؛ على أن يظل حاضرا في أذهان أجيالنا الصاعدة أن هذه الخيرية إنما تكون بالريادة الحضارية لا بالوراثة .