أنت هنا

وتلك الأيام نداولها بين الناس - 08 ماي 1845-

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نصر عباده المؤمنين، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه ومصطفاه، فاللهم صل وسلم وبارك على هذا النبي الكريم وعلى آله وصحابته أجمعين وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله فتقوى الله هي النجاة من جميع الشرور وهي الحصن المَنيع والملاذ المتين.

أيها المسلمون: إن التاريخ هو عنوان الأمم ولولاه لما وصل إلينا خبر ولا أثر، إنه غذاء الروح وخزانة أخبار الناس والرجال، والأمة التي لا تقرأ تاريخها ولا تستفيد منه في حاضرها ومستقبلها هي أمة مقطوعة الصلة، فالماضي ليس مفتاحا لفهم الحاضر فحسب بل هو من أسس إعادة صياغة الحاضر ومقولة: "إن التاريخ يعيد نفسه" ليست من كل الوجوه، إن سجل التاريخ ما هو إلا المنار ينبئ الملاحين الجدد بالصخور المهلكة التي قد تكون خافية تحت البحر، ولو أن المسلمين اليوم استوعبوا دروس الماضي لما أخطأوا في كثير من الأمور ، يقول المؤرخ ابن الأثير رحمه الله: "وإنه لا يحدث أمر إلا وقد تقدم هو أو نظيره فيزداد الإنسان بذلك عقلا ويصبح لأن يقتدي به أهلا".

عباد الله: إن أيه أمة نسيت تاريخها وأمجادها وأهملت ذكرياتها فهي إلى الحضيض صائرة وإلى التقويض سائرة، فالتاريخ هو عصب الحياة به تشحذ الهمم وتشد العزائم ويرتقي الصرح وتكون العبرة والموعظة وقال تعالى: ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) [يوسف:111] وفي آية أخرى يأمر الله جل جلاله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: ((وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ)) [إبراهيم:05]لأن الحوادث والخطوب قد تتكرر فيكون للإنسان علم التعامل معها، ولأهمية ذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه عمن كان قبلهم ترهيبا وترغيبا، حدثهم عن قاتل المائة نفس لمّا تاب تاب الله عليه وقبله، حتى لا ييأسوا وأخبرهم عن الثلاثة الذين انسد عليهم فم الغار فتوسلوا إلى الله بخير أعمالهم فكشف الله كربتهم، وعن الرجل الذي سقى كلبا إشفاقا عليه فنظر الله إليه فغفر له، وعن المرأة التي ربطت الهرة حتى ماتت جوعا فأدخلها الله النار لغلظ كبدها وتبلد إحساسها، وفي القرآن ذكر الله قصص النبيين من آدم إلى نوح إلى إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم عليهم السلام وما وقع للأمم السالفة من شديد العقوبة لمّا حادوا عن سواء السبيل قال تعالى: ((فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ
الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ))
[العنكبوت: 40].

وفي تاريخ الأمم عجائب وامتحانات وابتلاءات وقعت لأهل الإيمان كأصحاب الأخدود قال تعالى: ((قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ. النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ. وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ.
وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ))
[البروج:4-8] فيا عجبا لدوران عجلة الزمن وكم من عبر في التاريخ، فأصحاب الأخدود بيننا وبينهم آلاف السنين نقرأ عنهم فنجدهم قوما أكرمهم الله بالدين وأذاقهم حلاوة الإيمان فسلط الله عليهم من الابتلاء لو وقع على الجبال الرواسي لأذابها ولكنه لم يذب قلوبا ملؤها الإيمان. فقد شق الكفار لهم شقوقا في الأرض وملؤوها نارا ونصبوا عليها قدورا مملوءة زيتا ويؤتى بالواحد منهم فيعرض عليه أن يرجع عن دينه فيأبى فيلقى في الأخدود فينفصل اللحم عن العظم والآخر ينظر ولا يفزعه ذلك ولا يرجعه عن دينه حتى الأولاد الرضع قالوا لأمهاتهم :"أثبتن فإنكن على الحق".

إنها والله حلاوة الإيمان ممزوجة بمرارة التعذيب فتغلبت حلاوة الإيمان فلم يجدوا للعذاب ألما، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم...

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد فيا أيها المسلمون: اقرأوا التاريخ يزدكم الواقع المر إيمانا وتثبيتا، وتهن عليكم الشدائد والصعاب ، وتنكشف لكم عورة العدو المبنية على التعذيب والتنكيل في كل العصور، وفي النهاية يكلل أهل الإيمان بالنصر، فإذا قلبنا صفحات التاريخ علمنا أن عدو الدين في كل الأزمنة واحد من فرعون إلى هامان إلى أبي جهل إلى فرنسا الظالمة الغاشمة، وخير دليل ما حدث في الثامن من ماي سنة 1945 فهو نموذج من نماذج الحقد الدفين والسم الزعاف يومها قام جنود المكر والخداع بقصف الأبرياء العزّل بأعتى  الأسلحة وأفتكها، فاستعدت الجنة لاستقبال قوافل الشهداء، إنه  منظر رهيب سقط في ميدان الشرف ما يربو عن خمسة وأربعين ألف ضحية تناثرت أجسامهم أشلاء في الشوارع والساحات، فلم يفرق العدو بين الصغير والكبير والرجل والمرأة، والمعيار عندهم أنهم يحملون في قلوبهم كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، إنها إبادة جماعية نكراء ، إنها قصة الأخدود أعيدت من جديد وصدق الله إذ يقول: ((قَدْ بَدَتِ
الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ))
[أل عمران: 118] فلماذا هذا كله، والجواب: ((وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)) [البروج: 08].

عباد الله عند اشتداد وطأة الباطل وضيق الحال وتقلب الأمور، تزيد حاجتنا إلى ربنا فإننا ضعفاء مهما أوتينا من بأس فلنلجأ إلى باب الدعاء والضراعة بصدق إلى الله، فهو القوي القادر أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين في  كل مكان وأن يرد عنا كيد الأعداء ومكرهم.

ثم صلوا على خير البرية وأزكى البشرية سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحابته وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين.

اللهم انجز لأمة الإسلام ما وعدتها من النصر والتمكين، اللهم حرر القدس وانصر المستضعفين من المسلمين في كل مكان.

اللهم اشدد وطأتك على اليهود ومن حالفهم من أهل النفاق والكفر واجعل كيدهم في نحورهم وتدميرهم في تدبيرهم.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم قَوِ ضعيفهم واكس عاريهم واحمل حفاتهم واطعم جياعهم واسق ضمآنهم واستر عوراتهم وأمّن روعاتهم.

اللهم وفقنا للعمل الصالح الذي يرضيك عنا حتى تستجيب دعاءنا.

عباد الله: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) [النحل: 90].

من إعداد الأستاذ: موسى زلاطي

(إمام أستاذ رئيسي - النعامة)