أنت هنا

لعلكم تتقون

الخطبة الأولى:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، وحبيبه وصفيه، وصفوته من خلقه أجمعين، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد عباد الله:

يتهيأ المسلمون هذه الأيام ،  من شرق الكرة الأرضية إلى غربها ، ومن شمالها إلى جنوبها ، يستعدون ويحضرون لإيفاد مندوبين ومبعوثين عنهم لتمثيلهم في مؤتمر عالمي ، ولقاء سنوي ، دَأَب أتباع محمد على عقده كل سنة ، منذ أن خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الوداع إلى يوم الدين ، يلتقي فيه المؤمنون برسالة القرآن من كل القارات ، ومن جميع الدول ، لا يشترط لتأشيرة حضوره نطق لغة معينة ، ولا  لون بشرة بيضاء أو صفراء أو حمراء ، ولا حمل جنسية محددة ، ولا يطلب من قاصديه  سوى قول كلمة واحدة ، ورفع شعار واحد لا غير و هو: لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، والجنسية هي الانتساب  لمحمد ، والانتماء لأمة تمتد من مشرق العالم إلى مغربه ، ومن شماله إلى جنوبه ، أمة تسكن كل القارات ، وتقطن جميع دول العالم ، لا يجمعها شيء سوى الإسلام ، ولا يربطها رابط  غير قبلة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام ، إنه مؤتمر عالي بحق ، ولقاء سنوي بصدق.

أيها الإخوة المؤمنون : إن هذا الملتقى ، وهذا التجمع قد جمع الله فيه  لعباده منافع أخروية ، وأخرى دنيوية ، قال  الله تعالى: (( وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير)) (01) . فيه منافع فردية ، و أخرى اجتماعية ، ومنافع اقتصادية وتربوية.

ففي الحج يتربى الأفراد على الصبر والتحمل ، ويتعلمون حسن الخلق وآداب المعاملة ، يسيرون في الأرض فينظرون إلى مخلوقات الله، ليعتبروا ويتعظوا ، كما قال تعالى: ((أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم)) (02) في الحج يتعلمون لغات العالم ، ويتعارفون على إخوانهم من شتى بقاع الدنيا ، ليحققوا مقصدا قرآنيا ، وغاية ربانية من خَلْقِنا وجَعْلِنا شعوبا وقبائل ، قال تعالى : ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)) (03) وفي الحج تذوب الفوارق ، وتضمحل المميزات ، فلا رئيس ولا مرؤوس ، ولا حاكم ولا محكوم ، ولا شريف و لا وضيع ،  ولا غني ولا فقير ، ولا أبيض ولا أسود ، الكل واقف بين يدي الله ، يرتدون لباسا أشبه بأكفان الموتى ، سِيماتُهم جميعا التجرد ، وخُلُقُهم التواضع ، لا يسكنون أيام الحج شققا ولا فنادق خمسة نجوم ، وإنما يبيتون في خيم ، وينامون في العراء ، إشارة إلى يوم المحشر والمنشر ، حيث يحشر الناس حفاة عراة ، فيقال لهم : ((لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة))(04) إنها معاني كبيرة ، ومغازي عظيمة حُق لكل حاج أن يقف عندها ، ولكل زائر لبيت الله أن يتدبرها ، إن للحج - أيها الإخوة المؤمنون ـ فوائد اجتماعية جمة ، ففيه نتعلم  الجوار بدون إذاية ، والصداقة  من دون  وشاية ، و المحبة من دون عداوة، الناس بعضهم في حاجة إلى بعض ، لا يستغني أحدهم عن مخالطة ، ولا يكتفي منهم فرد بنفسه عن الآخرين ، أقله مخالطة  الزوجة والأولاد ، وفي الحج يضطر الناس لمخالطة بعضهم بعضا ، وبالتالي فهم في مدرسة تكوينية ، ومحضن تربوي ، ومعهد تعليمي ، يتعلمون فيه  الصبر على الآخرين وتحملهم .                                                                            

 أيها الإخوة المؤمنون : هل في حجاجنا من هو مستعد للاستفادة من هذه الفرصة الإيمانية ، وهذه المناسبة الربانية ، وهذه اللقاءات الأخوية ، بين شعوب شتى ، وأمم عدة ، هل فيهم من هو على استعداد لتعلم النظام والانضباط ، حيث يقف الجميع يوم عرفات في وقت واحد ، ويفيدون إلى مزدلفة في زمن واحد ، ويرمون الجمرات ، وينحرون الهدايا والضحايا في مظهر عبودي متفرد ، لا يشبهه  موقف ، ولا يضاهه منظر، إلا موقف العرض على الله ، ومنظر الحشر في عرصات القيامة ، إنه موقف يذكر بلقاء الديان ، ومشهد يربط القلب والوجدان ، بساعة العرض على الرحمان .

عباد الله: إن للعبادات  ، كل العبادات مقاصد وغايات، ومرامي وأهداف، قََصَدَ الشارع الحكيم تحقيقها في النفوس والعقول، وهََدَف الهادي تجسيدها في الألباب والقلوب ، فإذا لم تؤدي الغرض من تشريعها ، والهدف من فرضها ووجوبها ، لا قيمة ولا وزن لها ، عند الخالق الذي فرضها ، والرب الذي أوجبها . ففي الصلاة مثلا يقول الحق جل جلاله ((إن الصلاة تنهى عن الفحشاء  والمنكر)) (05) فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ، وفي الزكاة يقول المولى عز وجل: ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم)) (06) فأي صدقة لا تطهر المتصدق ولا تزكيه لم تؤد الحكمة من فرضها ، والهدف من تشريعها، وفي الحج يقول الله عز وجل:  ((الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)) (07) فالحاج الذي لا يترك الجدال والمراء والفسوق، لم  يحقق مقاصد الحج ولا أهدافه .

أيها الإخوة المؤمنون : إذا كانت السباحة  تجمع  أنواع الرياضات المختلفة ، فالحج يجمع  أنواع العبادات المتعددة ، و أشكال القربات المتنوعة ، فهو عبادة مالية ، وعبادة بدنية ، عبادة فعلية وعبادة قولية ، عبادة ظاهرية وعبادة باطنية ، ففيه صرف الأموال ، وفيه الذكر باللسان ،و الإخلاص بالجنان ، و التلبية بالكلام ، وفيه الإحرام والطواف والسعي بالأفعال ، إلى غير ذلك  من الشعائر والأعمال ،  هذا التنوع التعبدي ، يترك في النفس فوائد مختلفة ، ويعلم الإنسان حكما متعددة ، الحج غذاء متكامل ،بالحج يكتمل بنيان ديننا، وتتم قواعد إسلامنا، وتنمو جذوة إيماننا، وتزكو نفوسنا، فعن أبن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وان محمدا رسول الله، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان "(08).

ومن رحمة الله بعباده ، ولطفه بهم ، أنه لم يفرض الحج إلا على مستطيعهم ، والقادر عليه  منهم  ، لا غيرهم ،  قال تعالى: ((ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)) (09) وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله كتب عليكم الحج فحجوا" فقال رجل: أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لو قلت : نعم لوجبت ، ولما استطعتم" ، ثم قال : "ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء ، فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" (10) . إن مكانة الحج في الإسلام تأتي بعد الجهاد مباشرة ، وكيف لا وهو جهاد وتضحية ، وبذل وعطاء،  الحج جهاد بالمال، وجهاد بالنفس ، من أجله يترك الحاج ماله وولده ، ويغادر وطنه وأرضه ، ويفارق أصدقاءه وأخلاءه ، لا يدفعه لذلك شي إلا الفرار إلى الله ، والتعلق به ، والتطلع لمشاعره ، والطواف ببيته ، والوقوف في ساحته ، مع عباده وأصفيائه ، يجسد قول المولى عز وجل وينفذ أمره ، : ((ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين)) (11) والحاج فار إلى الله ، ومجاهد في سبيله ، وقد أجاب عليه الصلاة والسلام الذي سأله عن أفضل الأعمال بقوله :"إيمان بالله" قيل : ثم ماذا ؟ قال : "الجهاد في سبيل الله"" قيل : ثم ماذا ؟ قال : "حج مبرور" (12) ، ومعنى المبرور ، أي المقبول ، و الحج المقبول هو الذي لا يرجع صاحبه إلى الذنب ، كما لا يرجع الحليب إلى الضرع ، وحتى يكون الحج مقبولا ، لا بد أن يجمع شروط القبول ، وهي  شروط فقهية ، وشروط روحية إيمانية ، فالـشـروط الـفـقـهـيـة أن تـحـج كـمـا حـج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال بعد أداء هذا الركن :’خذوا عني مناسككم" وقال : "اللهم هل بلغت ، اللهم فاشهد" والشروط الروحية أن يكون حجك خالصا لله، لا رياء  ولا سمعة فيه ، لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه ، إن حجا يجمع هذه الشروط ، ويستوفي هذه الأركان يدخل به  الحاج الجنة ، ويستوجب الرضوان ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (13).

إن الحاج يولد من جديد صفحة بيضاء نقية ، لا ذنب فيها ولا معصية ، كما يولد الطفل فطرة سوية ، قال خير البرية ، عليه من الله أزكى تحية ، وأرضى تصلية  : "من حج البيت فلم يرفث ، ولم يفسق ، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (14 ).

أيها الحجاج الميامين ، ويا قاصدي بيت الله المكرمين ، وزوار قبر خير الأولين، وسيد الآخرين ، لقد انتُدبتم  لأمر عظيم ، واختاركم الملك الكريم ، لتكونوا ضيوفه الأقربين ، وطلاب رحمته المحظوظين ، فكونوا لهذا التشريف والتكريم من المؤهلين ، ولهذه الرفعة في المقام من الشاكرين، فأنتم ضيوف الرحمن، وعلى الضيوف آداب واجبة الاحترام ، وحقوق مطلوبة الأداء والالتزام ، فمن واجب الضيافة وحق المضيف، أن لا يسيء الضيف  الأدب مع رب المنزل، وأن لا يخالف أوامر صاحب البيت ، وسيد المحل هنا هو رب العالمين ، الرحمان الرحيم ، مالك يوم الدين . و لهذا أوصي حجاج بيت الله العتيق، وزوار قبر المصطفى الأمين ، عليه من الله أزكى التسليم ، وأوفى التمجيد ، أوصيهم  وصية الناصح الأمين ، أن يرعوا الآداب في الحرمين ، وأن يحفظوا حقوق إخوانهم الآمنين ، فلا يظلموا أحدا ، ولا يعتدوا على إنسان  ولا حيوان ، لا على شجر ولا نبات ، فالحاج مشروع  سلام ،   والمحرم رجل وئام ، وزائر المصطفى محب مصالحة وقاصد التئام ، فـيا ليت حجاجنا يدركون هذه المعاني ، ويفهمون هذه المقاصد كما ينبغي ، حتى يهتدوا إلى صراط الله السوي ، ويقتفوا آثار الرعيل الوفي ، وسلف الأمة الزكي ، من الذين ساروا على نهج النبي ، الذي وصفه الله بالأمي.

أيها الإخوة المؤمنون: إن الحج عبادة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام ، وإجابة دعائه الذي قال فيه: ((فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم)) (15)، فهاهو دعاء أبي المرسلين يتحقق، وهاهي قلوب ملايين المسلمين تهفوا إلى هذه البقاع ، وتتطلع لرؤية هذه الديار، ،وتلك الأماكن المقدسة ، والأراضي الطاهرة ، طهارة قلوب المؤمنين ، والبيوت النقية ، نقاوة نفوس الطائعين ، والبلاد الصافية ، صفاء باطن الطامعين في مغفرة رب الأولين والآخرين ، لا تجذب حجاجنا بحار ولا محيطات ، ولا تستهويهم شواطئ ولا منتجعات ، ينزعون عن أجسادهم الأنيق من اللباس والبدلات، إلا لباس التقوى والقربات ، فما أعظمها من حالات ، وما أزكاها من طاعات ، وما أحلاها من مناجاة ، لكل قلب  سليم من الأسقام والعلات ، ونفس صحيحة من الرجفات ، بعيدة عن الرجات ، لا نفس غلبت عليها المعاصي والزلات، واستولت عليها اللذات والشهوات ، حتى نسيت الوقوف يوم العرصات .

عباد الله : إذا كان الحجاج  في دنيانا وظاهر حياتنا صنفين ، أو طبقتين أو أكثر ، صنف الأغنياء  الذي يدفعون  مالا زائدا عن الآخرين ، حتى عدنا نسمع الحج الخصوصي ، وصنف الفقراء أو عامة الناس ، إذا كان هذا هو الحج عندنا ، فإن الحج عند الله نوعان لا ثالث لهما ، حج مبرور ليس له جزاء إلا الجنة ، يقول فيه الحاج : لبيك ، فيقول له الملك : لبيك وسعديك ، زادك حلال ، وراحلتك حلال ، وحجك مقبول غير مردود ، وحج آخر يقول فيه ( الحاج ) لبيك ، فيقول له الملك : لا لبيك ولا سعديك ، زادك حرام ، وراحلتك حرام ، وحجك مردود غير مقبول. فاختر لنفسك أيها القاصد لبيت الله الصنف الذي فيه تضع نفسك ، ومع من تكون ، سبيل هذا واضح ، وطريق ذاك بين ، لا غموض ولا التباس ، ولا ضبابية ولا ارتباك ، إلا شك من طمس الله على بصيرته ، وسد منابيع الرشد عن سريرته ، فهو لا يرى في الحج سوى مفخرته، ولا في السفر غير عزته ورفعته ، في عاجلته لا في آخرته ، ورفعه على إخوانه من عقيرته ، فضل طريق الحج معنىً ،  وإن وصله حسا ، وتاهَ عن سبيل الحقيقة  باطنا ، وأن أدركها شكلا و ظاهرا  ، فهو في الظاهر حاج ، وفي الباطن غاش ، وفي الصورة محرم ، وعند الله  مجرم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم ، ولا تستغربوا من وجود هذا الصنف من ( الحجاج ) ، فإن من يسرق أموال الناس ، ويحتال عليهم ليحج بعد ذلك ، فهو سارق محتال ، وعاص لله الكبير المتعال ، ومن يسب أو يشتم إخوانه أو يؤذيهم ، فهو داخل في وعيد الله في قوله تعالى: ((والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ))(16)، حتى ولو كان في الروضة الشريفة ، أو في مقام إبراهيم ، بل ذلك أشنع وأقبح ، فهو لم يرعَ حرمة المكان، و لا قداسة  الزمان، والأخطر منه من يؤذي الله ورسوله ، باقتراف الذنوب والمعاصي ، أو بالإساة إلى الزمان أو المكان ، فهو  للعنته وطرده من المقترفين قال تعالى: ((إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا)) (17).          فهل بعد هذا العصيان من إجرام ، وبعد هذا الفسوق من آثام . وفي  حجاجنا للأسف من يرتكب هذا أو أكثر ، نقول ما نقوله حتى نُحَذِّر إخواننا ضيوف الرحمان ، فيجتنبوا هذه الأدران ، وننبه الناس حتى لا يقعوا في الخسران ، فتضيع أعمالهم  سدىً ، ويذهب حجهم هدرا ، فيكون حظُهم الوبال والنكران ، فنسأل المولى الذي عليه التكلان ، أن يجنب حجاجنا الزيغ والشنئان ، إنه مولانا الملك الرحمان ، ذو الجلال والغفران ، الواحد الديَّان ، مُعِز أهل طاعته بالرجحان ، يوم توضع الأعمال في الميزان ، فمن ثقلت موازينه فهو من أهل الرضوان ، ومن الخالدين في الجنان ، ومن خفت موازينه فهو بسبب الشقاوة في النيران ، وعليه تتجمع الويلات والأحزان، فيا رحيم ويا منان ، نجينا من لفحاتها وزفراتها ودركاتها يوم لا ينجي إلا الحج المبرور ، والذنب المغفور ، والتجارة التي لن تبور ، أقول ما تسمعون ، وأستغفر الله لي ولكم ، فاستغفروه إنه الغفور الرحيم ، هو الحي ، لا إله إلا هو ، فادعوه مخلصين له الدين ، والحمد لله رب العالمين .   

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وحبيبه وصفيه، وصفوته من خلقه أجمعين، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

أما بعد عباد الله نواصل رحلتنا في رحاب بيت الله ، وفي أجواء مشاعره ، إنها رحلة العمر ، وسفر الحياة ، بالروح إلى أعلى عليين ، وإلى جوار صحابة رسول الله الطيبين الطاهرين ، وزوجات نبيه أمهات المؤمنين.                                     

أيها الإخوة المؤمنون : إن العالم الإسلامي يتهيأ للتجمع في هذه المشاهد ، والتلاقي في روضات من اختِيروا وانتُخبوا  لصحبة رسوله  وحبيبه وصفوته وخير خلقه على الإطلاق ، اختِيروا ليكن منهم لنبيه  الخليل والوزير، والصاحب والزوجة ... الخ... نقول الذي نقوله ، في هذه الأيام التي نسمع فيها من ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، صم بكم عمي فهم لا يعقلون، نسمع فيها من يقول في صحابة رسوله، وزوجات نبيه من السوء ، ما يكاد السموات يتفطرن منه ، وتنشق  الأرض ، وتخر الجبال هدا ، أن دعوا لزوجات النبي سوءا ، فنقول لهم : لقد جئتم شيئا إدا .

بالله عليكم، هل يختار الله لأفضل خلقه إلا أفضل الجماعات ؟؟؟ !!!! وهل ينتقي له إلا أطهر الزوجات ؟؟؟؟ !!!! .                                              

قولوا جميعا  أيها الحجاج في تلك الساحات ، واجهروا برفع الأيادي والأصوات ، وردِّدُوا مع الساجدين والساجدات ، وسندعو معكم في الخلوات فنقول كلنا : اللهم إنا نبرأ إليك من المنافقين والمنافقات ، ونعوذ بك من الضالين والضالات ، والجاهلين والجاهلات،  الذين واللاتي ، جعلوا وجعلن ، من عرض نبيك ، وفراش حبيبك، موطنا لسهام الطاعنين والطاعنات . إنها أيها الحجاج فرصة لتجديد العهد عنكم ، وعن من تمثلون من المسلمين والمسلمات ، مع رسول الله أولا ، ومع صحابته من سلف الأمة الصالح ثانيا ، جدّدوا العهد عنا جميعا ، فإنا والله فوضناكم ، و بالعشرة بصمنا لكم  ، تفويضا بلا رجعة، وتوكيلا بلا إقالة ، لتقولوا لهذه الثلة من الأولين ، جزاكم الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء ، وبلغوهم سلام ثلة من الآخرين ، وادعوا لهم بدعاء الذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين : ربنا اغفر لنا  ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ، ربنا إنك رءوف رحيم . كونوا أيها الحجاج أهلا لهذا التمثيل ، ومستحقين لهذا التعيين ، كونوا عند حسن ظن إخوانكم الذين انتدبوكم، وشعوبكم الذين عينوكم ، سهّلوا مهمة مرافقيكم ، وتعاونوا معهم على البر والتقوى ، وإياكم والمشاغبات ، واحذروا المناكفات ، فإنها من الرعونات، وفعلها يسبب الشقاوات ، نعوذ بالله من المهلكات ، ونتوب إليه من الموبقات ، ونستغفره من جميع الزلات ، كبيرات كانت أو صغيرات، فهي كلها عن الله من المبعدات ، ولنيرانه من الموجبات ، وفي الدنيا والآخرة من المفسدات.

اللهم أهدنا في من هديت، وتولنا في من توليت، وعافنا في من عافيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، أنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، يا ذا الجلال والإكرام،

اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد.....................................

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم، هو الحي لا إله إلا هو، فادعوه مخلصين له الدين، والحمد لله رب العالمين.

وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

 

الهوامش:

01ــ الآيتين رقم: 27 و 28 من سورة الحج.

02ــ جزء من الآية رقم : 09 من سورة الروم .

03 ــ الآية رقم : 13 من سورة الحجرات.

04 ــ جزء من الآية رقم :  48 من سورة الكهف.

05 ــ جزء من الآية رقم : 45 من سورة العنكبوت .

06 ــ الآية رقم : 103من سورة التوبة.

07 ــ جزء من الآية رقم : 197 من سورة البقرة.

08 ــ متفق عليه.

09 ــ جزء من الآية رقم : 97 من سورة آل عمران .

10 ــ رواه مسلم.

11 ــ الآية رقم: 50 من سورة الذاريات.

12 ــ رواه البخاري ومسام عن أبي هريرة رضي الله عنه.

13 ــ متفق عليه.

14 ــ رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.

15 ــ جزء من الآية رقم: 37 من سورة إبراهيم عليه السلام.

16 ــ الآية رقم : 58 من سورة الأحزاب .

17 ــ الآية رقم: 57 من نفس السورة السابقة.

                                                                                                                                                 إعداد الأستاذ: الدباغي أحمادو- تندوف