أنت هنا

كلمة وزير الشؤون الدينية والأوقاف في مفتتح الأسبوع الوطني الرابع للقرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الكريم
وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

فخامة السيد رئيس الجمهورية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يستبشر إخوانك ومحبوك من عمار المساجد وحملة القرآن الكريم، معلمين وطلابا، وينتظرون اللقاء الذي أصبح والحمد لله سنة حميدة يكتب الله أجرها لمن سنها ولمن عمل ويعمل بها إلى يوم القيامة .

وإن في مثل هذا اللقاء لذكرى وتكريماً لأهل القرآن، فالذكرى تنفع المؤمنين وتذكي فيهم الوعي بأن الأمة التي أحياها الله بالقرآن وجعل حياتها فيه وبه لا سبيل لها في أن تطلب الحياة خارج هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

والتكريم ينبثق من مقام الشكر، شكرا لله العلي القدير الذي منّ على هذه الأمة برئيس مجاهد، وضع حياته وكل ما وهبه الله من قدرات في الدفاع عن أمته ومقدساتها، منذ أن فارق مقاعد الدراسة متطوعا للجهاد الأصغر، إلى أن حمّلته أمته مسؤوليات ومشاق الجهاد الأكبر.

لم يطلب هذه المسؤولية للتمتع بطيبات الحكم والسلطة، وهذا لسبب بسيط جداً هو أنه يوم تصدى لهذه المهمة الشاقة لم يكن فيه للحكم ولا للسلطة من طيبات، حيث كانت الجزائر منغمسة حتى الأعماق في فتنة حالقة لا تعرف بدايتها من نهايتها، يوم كان وطن الحرية والجهاد مصفداً في الأغلال، مغلقة من جميع جوانبه الأبواب ينوء تحت كلاكل الموت والفاقة والعلة يوم اشتدت عليه وطأة الأعداء وتنكر له الأصدقاء، وخلت أجواؤه للمرجفين وتنادت في أرجائه نواعق الانحراف والمروق عن الوطنية والوفاء والدين. ففي تلك الظروف الحالكة قرر حتى أخلص المخلصين من أبناء هذا الوطن هجرته وتخلوا عنه بعد أن أدركهم اليأس من شفائه.

في هذه الظروف الشاقة التي صرخت فيها الجزائر في صفوف أبنائها البررة: هل من منقذ، وكان القدر أن أبرز من بين هؤلاء الأبناء البررة، وهم كلهم فرسان من قلدته الأمة زمام أمرها وحمّلته مسؤولية خلاصها .

فقد كان المنهج يومئذ واضحا لا غبار عليه وكانت معالم الطريق صريحة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ـ وقف الفتنة بالعمل على تعطيل أسبابها.
ـ فك العزلة باستثمار ذخائر التجربة الميدانية والخبرة الواسعة الممتدة عبر الجغرافية والزمان .
ـ توفير ظروف الوئام والحد من عوامل الخصام، إلى أن يتميز المخلصون لأمتهم ووطنهم ودينهم من الضالين المضلين .
ـ مواجهة عوامل الفاقة والتخلص من طرق في التسيير الاقتصادي أثبتت التجربة فسادها وضحالة التدبير لدى المتمسكين بها والمنافحين عنها.

لم يكن طريق هذه المهام والإصلاحات ممهداً لحوبا، وإنما كان شقه يتطلب مواجهة ركام الماضي، والصمود تحت ضربات المناوئين من المنتفعين من ذلك الماضي وسدنته .

فخامة الرئيس؛

إن أهل القرآن كانوا في صدارة من توسم فيكم الخير، وحملكم الأمانة حتى يكونوا الشهداء على الناس ويكون القرآن عليهم شهيداً.

و هم يشهدون اليوم أمامكم في أسبوع القرآن الكريم على انتصار أمتهم بقيادتكم وبفضل المخلصين من أبنائها على الإرهاب الوحشي وما كان يقترفه من آثام ومجازر.

وهم يشهدون على الدموع التي ما فتئتم تكفكفونها في مآقي الأمهات الثكالى والأرامل واليتامى، بل وحتى ضحايا الفيضانات والزلازل ويشهدون على وقوفكم ومواساتكم للجرحى والمصدومين في المستشفيات في ظلمات الليل الحالكة حيث تعطلت أنوار الكهرباء ولم يبق إلا نور الإيمان والأمل المنبعث من أعماق القلوب المؤمنة.

إن أهل القرآن وعمار المساجد يشهدون أنكم فتحتم أبواب العالم جميعها على الجزائر والجزائريين بعد الحصار والضيق ويشهدون أنكم وفرتم على أمتكم ممّا وهبها الله من الخيرات فعبرتم بها من الفاقة والفقر إلى توفير أسباب الإنتاج والزيادة في الخيرات .. وخرجتم ببرنامج الإنعاش الذي يوفر العمل للبطال والدراسة للطالب والسكن للمواطن والأمن للأمة، وقد عبرتم بها من القرن 20 الذي كانت نهايته كلها ظلمات إلى القرن الواحد والعشرين الذي جاء يبشر بالفرج، ووعد الجزائريين بكل خير إن هم أحسنوا لأنفسهم ولبلدهم، وإن هم اتحدوا وتعاهدوا على بنائها ورفعتها لقد عاهدتم ووفيتم وهذه صفة المؤمن الذي إذا عاهد وفى وإذا ائتمن أدّى الأمانة .

سيدي الرئيس؛

هناك فرق بين أن تختلف الرؤى حول الموضوع الواحد مهما جل وعظم، وبين النهوض بمسؤولية القرار. وإذا كان الاختلاف جائزاً ومشروعاً بل ومطلوبا أحيانا فمن غير الجائز والمشروع أن يفرض أحدهم رأيه على من حملته الأمة مسؤولية اتخاذ القرار، و الذي تحاسبه الأمة والتاريخ وحدهما على كل صغيرة وكبيرة مما أقدم عليه وأنجزه أو تخلف عنه وفرط فيه.

والأدهى من ذلك أن توضع في طريقه العراقيل فتُضبَّبَ له الآفاق وتشاع حوله الأراجيف حسداً من عند المرجفين وخشية من أن يكون ذلك هو الحق الذي يعصم الأمة من التردي في مهاوي الضياع الذي ما تزال تعاني أثره وتجتهد وتبذل الجهود للتخلص منه.

إنهم في مثل هذا الوضع لا يتناصرون حقاً على شخص، وإنما يتخاطرون ظلما ضد أمة .

لهذا سيدي الرئيس، كان أهل القرآن وما يزالون بعون الله إلى جانب هذه المبادئ الأساسية المتجذرة في تاريخ الجزائر وهم يذكرون لك أنك فيما بين الأسبوع الثالث للقرآن الكريم وبين أسبوعهم الرابع هذا قد فتحت لهم معهداً لتعليم القراءات و أنجزت طباعة المصحف الشريف، قراءة وترتيلا وها أنت تكون معهداً عاليا لتكوين الأئمة يتدارسون فيه علوم الإسلام والطرق المثلى في النهوض بالمسجد وجعله منارة علم وهداية وقوة في تركيز وحدة الأمة وترسيخ المبادئ التي كانت أساس عظمة هذه الأمة وسببا في اضطلاعها بالأدوار التاريخية التي قامت بها ومثلتها بنجاح بهر الأنام، وسجله التاريخ بأحرف من نور.

شكرا لكم - فخامة الرئيس -

وجزاكم الله عن القرآن وعلوم القرآن وأهل القرآن بأحسن ما يجازي به عباده العاملين المحسنين ؛ وأدام عليكم لطفه وتوفيقه، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

د. بوعبد الله غلام الله
وزير الشؤون الدينية والأوقاف -الجزائر