أنت هنا

كلمة معالي الوزير بمناسبة افتتاح الملتقى الدولي للمذهب المالكي في طبعته الحادية عشر

 بعد التحية.. ،

 وإن هذه النسخة من نسخ الملتقى الدولي للمذهب المالكي الذي يقع منذ نشأته الأولى تحت رعاية سامية كريمة من فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة حفظه الله ورعاه تنعقد على أرض سيدي أحمد بن يوسف رضي الله عنه ، ولاية عين الدفلى المضيافة.

وإنها لتخصص موضوعها في عامها الحادي عشر هذا لشخصية فذة هي شخصية الإمام أبي العباس أحمد ابن يحي الونشريسي المتوفى بفاس عام 911 هـ والمولود في سفح من سفوح جبال الونشريس في ولاية تيسمسيلت والناشئ في حاضرة تلمسان التليدة قبل أن يهاجر إلى حاضرة فاس ويستخلف على كرسي العلم فيها ابنه عبد الواحد الونشريسي الخالد الذكر والعالي الشأن ، وهي تعكف بمن انتقت من العلماء وأنجبت من الأعلام ومن استضافت من الباحثين ومن جمعت من الأخيار والخبراء والصالحين على إحصاء مؤلفاته العديدة واستخراج جواهره المفيدة ويخص بالدرجة العميقة والتحليل الموضوعي الرصين وموسوعته النوازلية الشهيرة وجوهره عقد مؤلفاته البديع.

إن كتاب "المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية الأندلس والمغرب" لصاحبه أبي العباس أحمد بن يحي الونشريسي يعتبر بحق موسوعة في الفقه والحياة والمجتمع.

ذلك أن كتب النوازل بالإجمال هي كتب تتسم بالواقعية بالنظر إلى تعلق مضامينها بقضايا ومسائل وقعت ونزلت بالفعل وتزداد واقعية كتب النوازل وتتأكد عندما يكون النوازلي مالكيا لأن صاحب المذهب كان يستنكف         عن الخوض في الفرضيات وهي تتسم بالمحلية ولا تسبح في المطلق خارج الزمان والمكان، بل ترتبط بزمان وقوعها ومكانه وترتبط بموضوعها الدقيق دينيا كان أو اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا.

وهي تتجدد باستمرار بتجدد نوازلها، فهي على خلاف المتن الفقهي تختلف  من سائل إلى آخ بحسب زمن وقوعها ومكانه، وما يرتبط بمسالة من مصالح ومفاسد وما عليه السائلون من اختلاف أحوال وتباين بيئات.

وهي كتب يتباين ويتنوع التأليف فيها ، فبعضها من تأليف الفقيه ذاته، وبعضها جمعها في حياته أو بعد وفاته أحد أبنائه أو تلاميذته وبعضها جمعها المتأخرون كالذي فعله أبو عباس الونشريسي لما جمع ما تشتت    من نفيس فتاوى من سبقه من علماء شمال إفريقيا والأندلس من أمثال الإمام المازوني والإمام البرزلي وغيرهما كثير  .

وتتجلى أهمية دراسة كتب النوازل لما اتسمت به من تلك الصفات في أنها كواشف عن حال زمان الكتاب وحال أهل محلته.

والمعيار المعرب في هذه الكواشف موسوعة مغرية خلد فيها أبو العباس الونشريسي جهد الفقهاء الجهيد في بيان الحكم الشرعي وتحقيق المناط  فيما كان يطرأ على الناس من النوازل ليرشدوهم إلى حياة كريمة سلسة  في كنف شرع الله الحنيف .

فقد كادت تحصي علماء عصره ومن سبقهم ممن تبوأ الإفتاء من أهل الغرب الإسلامي بعدوتيه الإفريقية والأوروبية عموما ومن أهل الجزائر خصوصا وإنا لنتعرف في قراءة فتاوى أولئك المفتين على التنزيل الفقهي الذي طبقوه على تلك الحوادث ولنوازل وعلى مصادر بحثهم ومراجع اجتهادهم وعلى أدلة أقوالهم ومرجعية فتاواهم كما نتعرف على منهجهم في صياغة الجواب تقييدا أو إجمالا وتخصيصا أو تعميما.

فلا يكتفي المحلل النبيه بمعرفة حكم الشرع في الوقائع والحوادث الطارئة بل يتصور ذلك الحضور العلمي والتفاعل المنهجي الذي كان يؤطر الحياة الدينية  عندنا في تلك الحقبة الزمنية البعيدة.

ولا تقل أهمية قراءة سؤال السائل عن قراءة جواب الفقيه وتعليق الموسوعي واستدراكه.

ففي الأسئلة المسوقة والمسائل المطروقة علم آخر للمحلل أن يسبر أغواره وللنبيه أن يجلي أسراره. 

ذلك أن في تحليل السؤال توصيف لحال الحياة في عصر الإمام الونشريسي  وبيان لما كان يشغل الساكنة من مسائل الحياة وقضاياهامما يمس عبادات الناس ومعاملاتهم وهو الأكثر ومما يمس اعتقادهم وهو الأقل.

وكثير من هذه الحوادث التي كان يصفها السائل بإسهاب ولا يتوانى المجيب ولا الجامع في سوقها بتفاصيلها تعكس تفاعلية الإسلام مع الحياة وتجاوب علمائه مع تقلباتها وتطلع الساكنة إلى أن تكون حياتهم على وفق الدين القويم.

و إن في تحليل السؤال ايضا توصيف لحال الاجتماع في ذلك العصر سواء ما تعلق بالمعاش والاقتصاد أو ما ارتبط بالحكم والسياسة أو ما نبع   من العادات والتقاليد أو ما كان في المدرسة والتعليم أو الصحة أو التطبيبأو الصناعة والتجارة والفلاحة وتصريف شؤون المجتمع أو كان في العلاقات الدولية وتنافس الأمم وتسابقها .

كما يعكس السؤال ما كان قد دب إلى المجتمع من الفتن والآفات والمحن والطوائف والانحرافات ويصف حال الأمن وقيام الدولة عليه ، وحال السوق وقيام الحسبة فيه وحال الأسرة وما طرأ عليها من تحول يواكب تطور الزمان.

وبالجملة فإن موسوعة الإمام أبي العباس الونشريسي كتاب مفتوح على واقع الأمة ومنه الواقع الذي جمع منه نوازل المعيار عدوتى الغرب الإسلامي وإن تحليليه الرصين و قراءته الراشدة ليسمحان لأهل زماننا أن يستفيدوا  أيما استفادة في منهج تنزيل الأحكام على الوقائع المتجددة والحوادث النازلة والمسائل الطارئة في حياة المسلمين واجتماعهم.

ولذلك عكف المستشرقون قبل غيرهم على تحليل محتواه وترجمة عباراته إلى لغاتهم بعد أن صدر إلى الوجود مطبوعا نهاية القرن التاسع عشر طبعة حجرية في حاضرة فاس .

وإن كان قصد المؤسسات التي دعمت هذه الدراسات والهيئات التي طلبتها واحتضنتها لا تخفى فإن جهد هؤلاء المستشرقين زاد من جمال صناعة الموسوعة وغزارة علمها وأماط اللثام عن نفيس مكنونها.

ففي سنة 1908 أصدر المستشرق إميل عمار دراسة حول المعيار  وفي سنة 1946 استخرج الباحث الفرنسي هنري بييوس فصل -المستحسن من البدع- وطبعه في الجزائر في كتاب صغير ولعل أكثرهم تعمقا في الدراسة هو الباحث الفرنسي VINCENT LAGARDENEالذي لخص عددا هاما من فتاوى المعيار وترجمهاإلى اللغة الفرنسية وبوبها تبويبا جديدا غير التبويب الفقهي المعهود  حيث حللت الفتاوى ورتبت حسب المفتين. ثم زود هذا الملخص بفهارس متنوعة،  ولعل آخر نداء للاهتمام بالموسوعة وتحليل مضامينها تحليلا فقهيا دينيا وتحليلا تاريخيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وتحليلا لغويا وبيانيا هو النداء الذي استجابت له هذه النسخة من ملتقى المذهب المالكي الدولي والذي صدر عن شيخ المؤرخين الجزائريين  المحدثين  الدكتور أبو القاسم سعد الله رحمة الله عليه.

وها نحن نلبي النداء لننقل الاهتمام من دائرة المقاصد المشوشة إلى دائرة المقاصد النزيهة الدافعة على العلم والعمل البانية للمجد والسؤدد.

إن هذه لموسوعة تربط من جهة أخرى نسب الجزائر العلمي لمشكاة النبوة، في سند قويم متصل يأخذ فيه الشيخ عن شيخه إلى منتهى هذا العلم الشريف والسند العالي ، ذلك أن العلم رحم بين أهله وان للأمم نسبا في العلم كنسبها في الدماء. وقد قال الله تعالى:" أدعوهم لآبائهم".

يكرس المعيار المعرب لمن أحسن فهمه وتحليله مرجعية وطننا الدينية بما تتصف  به من سلامة ومن اتصال وما تصطبغ به من صبغة الوسطية والاعتدال وما تتسم به من السنية والعملية .

يظهر فيه اقتداء علماء الفتوى في هذه الحاضرة من حواضر الإسلام بعالم المدينة المنورة وعالم الغرب جميعا وكثير من عالم المشرق مع تفتح هؤلاء العلماء بآلة الاجتهاد على مذاهب الأعلام وأدلة الأحكام ، يستفيدون منها جميعا لإصدار التوجيه الذي يضمن الحياة الكريمة في كنف الإسلام بدون عنت وبغير ضيق   ولا عسر ، يتمثلون في مجملهم قول سفيان الثوري رضي الله عنه "إنما الفقيه عندنا الرخصة من ثقة أما التشديد فيحسنه كل أحد " ويتمثلون لتوجيه الأعلام من أمثال الإمام أبي إسحاق الشاطبي الذي أسوق له في هذا السياق قوله: [المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على الوسط المعهود فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة ، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة... بلا إفراط ولا تفريط. فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان من خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين... وقد رد النبي على عثمان بن مظغون التبتل وقال لمعاذ لما أطال بالناس الصلاة: أفتان أنت  يا معاذ؟...ورد عليهم الوصال، وكثير من هذا... ولأنه إذا ذهب بالمستفتي مذهب العنت والحرج وبغض إليه الدين ، وأدى إلى الانقطاع عن السلوك طريق الآخرة ... وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي، مع الهوى والشهوة " [ الموافقات؛ 4/607 - 608]

وقد صدق محمد بن سيرين فيما أخرجه عنه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه   من قوله :" إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم "

مدحي لهؤلاء الأبرار من عالمات وعلماء وطني المفدى ومن قوى شوكتهم وشدّ على عضدهم من الضيوف الأعلام الكرام.

وهنيئا لأبي العباس الونشريسي يدرس تراثه ويحلل كراسه في أرض عصريه وبلديه سيدي أحمد بن يوسف رضي الله عنه.

وبشرى لنا ، نلنا المنى.

اجتمع اليوم العالمون من أصقاع الدنيا نسوا جنسياتهم وطووا مذهبياتهم واعتصموا بحبل الله جميعا يقرأون موسوعتنا الثمينة ويتدارسونها فيما بينهم، يستكنهون جوهرها ولؤلؤها ونفائس كنوزها لخدمة الأوطان وسعادة البشرية.

بارك الله لكم سعيكم وأثابكم على جهيد جهدكم وأبدلكم عن هذه الساعة ساعة سعادة في عاجل حياتكم وفي آجالها وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

وإني أعلن عن الافتتاح الرسمي لفعاليات الطبعة الحادية عشر من الملتقى الدولي للمذهب المالكي. فبالله التوفيق وعليه التكلان.