أنت هنا

كلمة معالي السيد الوزير ملتقى سيدي عقبة بن نافع الفهري

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، "ربنا لا تزغ قلوبنا بعدأن هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل   في قلوبنا غلا للذين آمنوا،  ربنا إنك رؤوف رحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".

حضرة الفاضل، السيد والي ولاية بسكرة الكريمة المضيافة.

حضرة الفاضل السيد رئيس المجلس الشعبي الولائي لهذه الولاية، ولاية العلم والتاريخ والجهاد .

حضرة السادة أعضاء البرلمان والسادة المنتخبين وهيئة الأمن .

حضرة السادة العلماء الحاضرين والضيوف، وإنني أمام هذه الكوكبة من فتيات الحماية المدنية تذكرنا بيوم 8 مارس نرحب بكم بهذا اليوم المبارك ونرجو لكم التوفيق إن شاء الله .

أيها السادة الكرام، هناك كلمة تردد دائما تقال : " الطبيعة لا تقبل الفراغ " وإذا وجد الفراغ لابد أن يحتله شيء آخر، وإن الجزائر التي انطلقت ثورتها المباركة من المبادئ التي أرساها العلماء والمجاهدون وعقبة بن نافع الفهري.

استمرت هذه الثقافة التحريرية التي تنظر إلى المستقبل وأن الشعب الجزائري وبقواه الحية اهتم في أول الأمر وقبل كل شيء بإعادة بناء الجزائر وبناء المدارس والمعاهد والطرقات وبتجهيز الوطن، ويبدو أن هناك نوعا من الغفلة عن التعريف أو الخروج بالجزائر إلى خارج الحدود لأن الجهود كانت منصبة على الداخل الذي خربه الاستعمار وتركه خواء، هذه الجهود التي انصبت على الداخل كما قلت كونت نوعا من الستار عن الجزائر وهذا الستار إن شئتم جعلت وأطمعت الكثير من القوة الخارجية أو القوة البعيدة التي لم تعرف حقيقة الجزائر، ذلك أن الجزائريين وعلمائهم ومثقفيهم وشيوخهم كانوا دائما يبنون سيرتهم وتوجيهاتهم على مبدء التكامل أو التزاوج بين الدين أو الإسلام كما ورد إلينا من المدينة المنورة وكما علمه ونشره شيوخ وعلماء الجزائر وهم الذين بادروا إلى إنجاز واختراع و تجديد أمور كثيرة وتنظيمها، وكانوا دائما يزاوجون بين حماية الدين وحماية الأرض أرض الإسلام ، حماية الوطن، فالدين والوطن عندهم دائما وجهان لعملة واحدة نجده هذا عند الأولين كالمجاهدين مثل الأمير عبد القادر ونجده كذلك عند من سبقهم من العلماء ومن أتى بعدهم من المجاهدين إلى أن اندلعت الثورة وكنتم تستمعون إلى النشيد الوطني، فالتزاوج بين الدين والوطن شيء ثابت قائم.

قلت إن هذه الستارة أو الغفلة جعلت بعض القوى في الخارج يظنون أن الجزائر فراغ أو توهموا هذا فأرسلوا أفكارا أو استقطبوا مناطق فأحدثوا هنا وهناك بعض الفقاعات بأسماء مختلفة لم تكن هذه الأسماء موجودة لا في تاريخنا ولا ثقافتنا، لم نكن نعلم في عهد الفاطميين معنى الشيعة ولم نكن نعرف ما هي السلفية ولم نكن نعرف ما هي الابتداعات التي ظهرت في الهند عن الإسلام كالأحمدية والقديانية  وهذه الأمور لا تجدونها في تاريخنا ولا ثقافتنا ولا تجدونها في الكتب التي كتبت في الجزائر والصحراء، لا تجدونها عند "التنبكتي" ولا تجدونها عند "الشيخ بن باي سيدي عمر الكنتي"، ولا "سيدي المختار الكنتي"، ولا "السهيلي" ولا "التيجانية" ولا تجدونها عند "القادرية" ولا تجدونها عند "الشاذلية" ولا تجدونها في أي أثر من آثار الجزائر سواء في الشمال أو الجنوب خاصة في هذا الجنوب الذي نتكلم عنه والذي تربطنا مع الشعوب المجاورة من موريتانيا، السنغال، المالي، النيجر أو جيراننا كالمغرب   و تونس و ليبيا، لا تجدون هذه المصطلحات ولا هذه الأفكار .

كنت أنظر إلى رمز من رموز الثورة كان حاضرا وهو المجاهد "ياسف سعدي" أنظروا إلى السيد ياسف سعدي لا تجدون الكحل بعينيه ولا قميصه مسحوبا عند الركبة ولا تجدون فيه ولا ترونه يصلي بحجر يحملها إلى جبهته ولا آثار الضرب بالسلاسل على ظهره، تجدونه جزائريا كما خلقه الله.

إذا هذه الملتقيات الذي عقدناها والتي مازلنا نعقدها في مختلف الولايات، إنما ترمي لإعادة ملء هذا الفراغ الذي أطمع الناس في الجزائر    و ظنوا أن الجزائر لقمة سائغة كل من أراد أن يأخذ جزءا يبعث فيها فكرة من الأفكار ويجعل هذه الأفكار تنتشر لينتبه شبابنا ولينتبه مثقفونا وبخاصة في الجامعات لأنه كما قلت عندما اهتمت القوة الوطنية في الجزائر بالتعليم      و إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات من أجل أن تنتج هذه المؤسسات جيلا مثقفا يعرف تاريخ الجزائر ويحي تراث الجزائر وقد نشرنا في وزارة الشؤون الدينية والأوقاف أكثر من 50 أثرا أو كتابا من هذه الكتب التي كنت أتحدث عنها وعرفنا بها الناس ونعّرف بها الجزائريين كما نرجوا من أساتذة الجامعات ومن معاهد تكوين  الأئمة وإخواننا الأئمة في المساجد أن يطلعوا على هذا التراث الثري وأن ينشروه في الأوساط الاجتماعية حتى يحصنوا شبابنا ويفقهوا تراثه و تاريخه لأن في ذلك ما يغنيه عن هذه الأفكار الجوفاء التي لا تحمل إيمانا وحتى لو فعلت فهو خال من الروح والنفع لا لون ولا طعم له. وإنما تغري فقط ببريق كذاب لا أهمية له مهما كانت هذه المذاهب، ثم أن هذه المذاهب نشأت في بيئات تختلف عن بيئتنا، نشأت في بيئات اجتماعية وثقافية وطبيعية صحراوية لا تشبه صحرائنا (كبسكرة الحدائق والحقول) ليس كالصحراء القاحلة التي نشأت فيها هذه الأفكار، فلولا دعاء سيدنا إبراهيم الخليل لما كان لها هذا الفوز عندما قال "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير زرع"  لا زرع فيه عند البيت المحرم كرمه الله ببيت الحرام، لكن كرمنا نحن كذلك بهذه الخيرات التي تزخر بها الجزائر والتي يجب على أبناء الجزائر من المثقفين بصفة خاصة أن يهتموا بها وأن لا يعرّضوا عليها للمخاطر والفتن وأن يحافظوا ويدافعوا عنها وأن يبشّروا بها حتى لا تكون الجزائر كما قلت (محل أطماع المغامرين ومحبي الزعامة والظهور) فمن يريد أن يبادلنا الأفكار والآراء مرحبا به لكن في بناء مستقبل الجزائر، إن الأفكار الطارئة سرعان ما تذبل وتسقط، أما ماضينا فالحمد لله هو ماض مركب من محبة الله وحماية الوطن، وإنما تنتج هذه الأفكار التي كان يبشّر بها هؤلاء العلماء ممن ذكرناهم وممن لم نذكرهم وكانوا يبشّرون دائما بأن محبة الله في الأرض تكون للمسلمين وأن المسلمين يحب بعضهم البعض وأن المسلمين يحترم بعضهم البعض وأن المسلمين يرفعون شعار "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"، إننا نحن في هذا المركب الذي أنشأته الجزائر باسم الفاتح عقبه بن نافع الذي بشّر بالإسلام واستشهد من أجل الإسلام لكن شهادة عقبه بن نافع لم تذهب سدى، وإنما جعلت النور الذي جاء به وهو نور الدين والإسلام ينتشر بهدوء ولم ينتشر بقوة السيف ولا بالضغط وإنما بفضل طيبة وكرم الشعب الجزائري أو سكان الجزائر في القرن الأول والثاني والثالث الهجري انتشر الإسلام شيئا فشيئا بين الجزائريين وأحبوا الإسلام وتعلقوا به وبنوا له المساجد والمعاهد وأسسوا له الزوايا وتخرج فيهم علماء ومشايخ وأساتذة كان يدعون الناس إلى محبة الله ومحبة الوطن ومحبتهم لبعضهم البعض ولهذا تكونت لدينا هذه الاخوانية في الزوايا الصوفية فهي مجموعة من الناس يتعاهدون على خدمة الدين، وعلى أن يخدم بعضهم البعض وعلى أن يتعاونوا كما ورد في القرآن الكريم على البر والتقوى، وأن تتعاون هذه الجمعيات أو المذاهب الصوفية مع بعضها، فالتيجانية والحمد لله نشرت الإسلام بإفريقيا ومن قبلها كان (عبد الكريم المغيلي رحمه الله قد بشّر بالإسلام إلى نيجيريا)، أعتقد أن هنا معنا ضيفا من نيجيريا قد يحدثكم عن آثار الإسلام في نيجيريا وآثار سيدي عبد الكريم المغيلي.

إذا إخواني، أيها السادة الكرام أيها السيدات، هذه الجزائر الغنية بتاريخها والغنية بجهادها والغنية بأبنائها والغنية بثرواتها والغنية بنعمة الله عليها، هذه النعمة التي يرفل بها الشعب الجزائري الآن في هذه المدة وخاصة بعد أن تخلص من العشرية السوداء و بعد أن اقتنع الشعب الجزائري وبشر بالمصالحة الوطنية هذه المصالحة التي جمعت بين الإخوة الأعداء فأصبحوا بنعمة الله إخوانا،قال تعالى: "وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها" أنقذنا الله سبحانه وتعالى بالمصالحة الوطنية فتصالحنا وتصافحنا وتقاسمنا خيرات الجزائر التي فاضت علينا جميعا فلا ينبغي أن نفرط فيها ولا أن نخونها ولا أن نتخلى عنها وما هذا الملتقى إلا لأجل أن ننشر هذه الثقافة، ثقافة الصلح، ثقافة المصالحة، ثقافة الأخوة في إطار هذه العلوم الزاخرة وهذا التاريخ الغني وهذه الثروة الكبيرة من العلماء، لا تنسوا الآن نحن في بسكرة فالشيخ سيدي عبد الرحمان الأخضري الذي ألف في علوم اللغة والذي ألف في الأصول والذي ألف في الرياضيات والذي ما زالت كتبه تدرس          في المساجد الكبرى من الهند إلى القرويين، هذه الأرض التي أعطت هذه الخيرات وهؤلاء العلماء لا يمكن أن تصبح تابعة، لا يمكن أن يرضى أبناؤها أن يجعلوها في مؤخرة القطار، بل ينبغي أن نكون في الريادة أن نكون جديرين بهؤلاء الرجال وهؤلاء النساء، الذين جاهدوا وصابروا وأعادوا الجزائر لأن تكون أمانة في أيدي الأجيال التي تأتي بعد الثورة والتي يعبر عنها النشيد الوطني والذي يقول "صرخة الأوطان في ساحة الفدا، اسمعوها واستجيبوا للندا، واكتبوها بدماء الشهداء، واقرؤوها لبني الجيل غدا"

من هم أبناء الجيل ؟ هم أنتم أيها الشباب وانتم أيها الأساتذة هم أنتم أيها المعلمون، هم أنتم أيها الأئمة، هم أنتم العاملون في أرض هذا الوطن الكريم، أنتم الذي ينبغي أبدا أن لا تقبلوا في صفوفكم من يتنكر إلى هذا العهد الذي عاهدنا عليه الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل أن تصبح الجزائر حرة مستقلة شامخة كما كانت في تاريخها القديم هذا أحد الأسباب التي جمعتنا في هذا المركب الثقافي الذي يحمل اسم عقبة بن نافع.

ثم أننا نرغب ونسعى في عودة هذه العلاقات الإسلامية والأخوية والدينية التي سادت في الصحراء التي تربطنا مع الدول والشعوب الأخوية المجاورة لنا، سواء في المغرب وموريتانيا ومالي والنيجر ونجيريا وتونس وليبيا لابد إذا أن تعود الصحراء منتجة للعلم وأن تكون مسرح اتصالات لكن ليس اتصالا عدوانيا وإنما هو اتصال ثقافي، اتصال علمي، نحن فتحنا معهد تكوين الأئمة بتمنراست ليستقبل أبناء إفريقيا ليكونوا كأئمة مثل ما يتكون الأئمة في معهد سيدي عقبة ببسكرة ومعهد تمنراست إن شاء الله منارة علمية

ومركز لتكوين الأئمة وعقد لاسترجاع التاريخ العلمي والتاريخ الثقافي بين الجزائر والبلاد المحيطة بالصحراء، إن شاء الله .

كما أشكر المنظمين وأشكر والي ولاية بسكرة بصفة خاصة الذي يحض على إعادة الطبعة لهذا الملتقى وهو يتكلم اليوم على الطبعة المقبلة والتي ستكون طبعة محسنة وأقوى من الطبعة التي نشهدها اليوم، وإذ أشكر الأساتذة واللجنة التي حضرت وجميع من شارك. أعلن عن افتتاح الملتقى الثالث في بسكرة ملتقى عقبة بن نافع والسلام عليكم وحمة الله وبركاته .

الكلمة الصوتية لمعلي الوزير