أنت هنا

كــأس العالــم

الخطبة الأولى:
الحمد لله حمدا يوافي نعمه و يدفع نقمه ويكافىء  مزيده ...
أما بعد:
أيها الأخوة الأكارم، بالأمس أكمل أبناؤنا امتحان البكالوريا، نسأل الله لهم الفوز والتوفيق والنجاح، حتى يضعوا أقدامهم في عتبات الجامعة، لاستئناف التحصيل من جديد، وبمستوى أعلى وأغلى ومفيد، وبالانتهاء من شهادة البكالوريا، تكون مدارسنا قد أوشكت على غلق أبوابها، وتفردت الأسر بمسؤولية تربية أبنائها، فعلى الجميع أن يتحمل مسؤوليته بكل رعاية واهتمام، مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام: " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" أو كما قال صلى الله عليه وسلم، والحديث عن تربية الأبناء ورعايتهم، وخاصة في فصل العطلة والصيف، موضوع حرى بالإثراء  والتنبيه، وستكون لنا إن شاء الله وقفة فيه في جمعنا المقبلة.
أما اليوم أيها الإخوة أستسمحكم، وأستبيحكم عذرا أن أطرق موضوعا آخر، أرى أنه من الأهمية بمكان، وأنني أرى أنه ليس من الأنصاف أن نغفل عنه خصوصا في هذا اليوم بالذات 11 جوان 2010، حدثا يشد أنظار وعقول أغلب سكان الدنيا وهذه المعمورة ألا وهو ما يسمى بكأس العالم وأرى أنه ليس من نافلة القول أن نتجاهل حدثا كهذا، بغض النظر عن ما فيه من المبالغات في نفقات مصاريفه وتكاليفه، في عالم يشكو الأزمات والإفلاس، وبغض النظر كذلك عن المبالغات في الاهتمامات الفكرية والنفسية والعقلية، والتي أدت بالناس إلى أن أصبحوا رهينة هذه الرياضة.
وأصبحت هذه الرياضة، هوى يعبد، وليست هواية تمارس، والحق تبارك وتعالى يقول ((ومن اضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين )). (القصص: 49)
ونحن معشر المسلمين هدانا ربنا إلى ما هو خير، هدانا إلى الطريق والصراط المستقيم، وحذرنا من مغبة إتباع الهوى، الذي لا يكون على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو الذي قد قال:" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" وقال أيضا فيما معناه:" كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد".
كما أننا ملزمون بإتباع وصية الله سبحانه وتعالى وتنفيذها، بالالتزام بصراط الله والبعد عن إتباع الهوى وأتباع السبل قال تعالى : ((وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذالكم وصاكم به لعلكم تتقون )). (الأنعام: 153)
فلا ينبغي أن تقدس هذه الرياضة كل هذا التقديس، حتى تخرج بصاحبها عن جادة الصواب وتصبح هي كل شيء عنده في هذه الحياة، عليها يحيا، وعليها يموت، وفي سبيلها ينفق ويناصر، وربما يشاغب ويتظاهر...لا...لا...لا.
نعم يهزنا حبنا لفريق وطننا، وممثل إسلامنا وعروبتنا، ولكن في حدود ما يسمح به ربنا وهدي نبينا، فلا يجوز أن نهمل واجباتنا وأعمالنا في إدارتنا ومتاجرنا، ولا أن نعطل عجلات سير اقتصادنا ومؤسساتنا، ولا يجوز كذلك أن نحرق دمنا وأعصابنا، ونتسبب في تركيب بعض الأمراض في ذواتنا، كالمرض السكري والضغط الدموي، بسبب الإثارة والانفعال، ولا أن نقطع ما أمر الله به أن يوصل من لحمة الإسلام، كما حدث مع أشقائنا في مصر، إنني بهذا أود أن تكون الأمور في نصابها، ونسمي الأشياء بأسمائها، فهذه مجرد لعبة كرة قدم، فجميل أن يدوي نشيدنا الوطني على أسماع الدنيا كلها، وجميل أن تكون راية المليون ونصف المليون شهيد، رفرافة حاضرة في كل شاشة من شاشات بيوت العالم، وجميل أن نلتف ونتوحد بسببها، وهي التي توحد بها أباؤنا، وبواسطتها تحرر وطننا، وعليها أستشهد شهداؤنا.
فجميل هذا إن كان فيه خير لأمتنا وبلدنا، ورفع لهممنا وتطلعاتنا، ولكن ليس بالجميل أن يكون هذا الالتفاف من أجل لعب فقط، ومن أجل فرجة ومباراة فقط، أما إذا تعلق الأمر بشيئ آخر فلا أثر للراية ولا للوطن في ذلك، بل يبقى كل فرد يبحث عن خويصة نفسه، ومصلحته الشخصية لا غير، ولا شأن له بالراية تعلوا أو تنزل، أو ترتفع أو تسقط، أو تهان الرموز المعلقة بها، فهذا ليس من الإنصاف ولا بالجميل.
فأعداء الجزائر بالأمس، هم أعداؤنا اليوم، بل اليوم أشد والمكائد، أدهى وأمر وأخطر فهم لم يستصيغوا حتى كلمة تجريم الاستعمار،  فضلا أن تجسيدها، أو الاعتراف بها والاعتذار لأهلها، فليكن لأمتنا فرصة الاستفادة من هذا الحدث، لتستثمر التفاف أبنائها حول راية بلادهم، وتغرس فيهم حب وطنهم، والعمل من أجل ترقيته وازدهاره، وكل ما من شأنه أن يجمع شمله ويحافظ على وحدته واستقراره، ثم يلتفت ويهتم بشؤون أمته الإسلامية الكبرى، وما تواجهه من تحديات عظمى، حركت حتى من لا تربطه بها رابطة دم أو عرق أو دين، وخير دليل على ذلك هو تلكم الحملات والأساطيل المتتالية لفك الحصار على أبناء غزة وفلسطين، الذين يعانون معاناة لا يعرف حقيقتها وكنهها، إلا من ذاق ويلات الاستعمار.
هذا ما ينبغي أن نستفيده من هذا الحدث الكبير، بل أقول إن كانت لنا همم عالية، سنستفيد من هذه التظاهرة الفرص الغالية.
أقول قولي هذا وأستغفر الله الحليم الكريم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين أصطفى والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى وبعد:
أيها الإخوة: لا زلت أقول وأشدد على ضرورة أن يستمر هذا الالتفاف حول رايتنا، وأن يستغل هذا الالتحام ويكرس بين أبناء وطننا، حتى تسودهم المحبة والترابط، والتعاضد والتناصر فيما بينهم كما يناصرون فريقهم ونحن مطالبون شرعا بأن نتناصر، ونتعاون ونتلاحم ونتراحم، ومن ثقافتنا الروحية أيها الإخوة: قوله صلى الله عليه وسلم   : " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما"، ومن باب الإسقاط أن تسقط هذا على مناصرة فريقنا، وأن نكون معه مهما كانت النتائج والمفاجأت، سلبيا أو إيجابا، فوزا أو إخفاقا، إن أردنا وصول ومنافسة من تعودوا الفوز وتسيير النهائيات، قادرين أن نجعل من هذا الحدث حافزا وسلما لارتقاء المجد والمكرومات، في كل الميادين والمجالات، وأقول كذلك لممثل العرب في هذه التظاهرة ليس هناك عيب أكبر من أن يستطيع الإنسان أن يصل إلى أمر ولكن يزهد فيه، ويكتفي بالدون والمقعد الخلفي والأخير، وهو قادر إلى أن يصل إلى أعلى من ذلك، وصدق القائل قديما حين قال:
ولم أر في عيوب الناس شيئا* كنقص القادرين على التمام
فهذا مالا نرجوه أن يكون وصفا لفريقنا، ولا أن يقال له كذلك ما قيل قديما:
      دع المكارم لا ترحل لبغيتها* واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وفي الأخير ندعو الله بالتوفيق لأبنائنا وأن يكون هذا الحدث سبب استقامتهم واتجاههم إلى الله تعالى وقد سمعنا أن الكثير منهم التزم بالصلاة وتمسك بها.
فنسأل الله لهم التوفيق والسداد، وأن يجنبهم الإخفاق والفساد، ويعلي بهم صيت الأمة والبلاد.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.
اللهم وفقنا للهدى، واعصمنا من أسباب الجهل والردى، وأسلمنا من آفات النفوس فإنها شر العدا، اللهم ثبت أقدامنا على دينك، وثبت قلوبنا على طاعتك، واغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عن من سواك اللهم أنصر الإسلام والمسلمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

      بقلم الأستاذ: عبد القادر زيغمي