أنت هنا

عناية الإنسان بالبيئة تشريف للإنسان بأن يحيا كريما

الحمد لله القوي القدير، العزيز الخبير، فالق الحب والنوى، مخرج الحي من الميّت، ومخرج الميت من الحي، ذلكم الله فأنّى تؤفكون، أمرنا بكل خير ونهانا عن كل ضر، وسخّر لنا ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ علينا النعم كلها ظاهرة و باطنة، دعانا إلى الإصلاح ونهانا عن الإفساد في الأرض، فقال سبحانه: ((ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين)) الأعراف: 56

وأشهد أن لا إله إلا الله الحكيم البصير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه الله حجة للعالمين، ورحمة للمؤمنين، اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد إمام الأنبياء، وسيد الأتقياء، وقدوة الأصفياء، أمرنا بأن نكون صادقي النية، وأقوياء البنية، ودعانا إلى القوة، ورغبنا في الصحة والعافية، وعلى آله وصحبه الذين أقام الله بهم أمر الدين والدنيا ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: معاشر المؤمنين والمؤمنات...

اتقوا الله حق التقوى ، ((وتــزودوا فإن خير الــزاد التقــوى واتقــون يا أولي الألبــاب)) البقــــرة:197،

واعلمـــوا – معاشر المؤمنين - أن المؤمن إذا أعطي بعد نعمة الإيمان عقلا رشيدا، وجسما سليما، وبدنا معافى من الأمراض والأسقام، طابت حياته، وسعدت أيامه.. ومن سنن الله في خلقه أن جعل الخير في الأرض جريا على الأقوياء في أنفسهم بسلامتها من العلل والأمراض، وبمعافاتها من الآفات النفسية والروحية، ولا يتأتى ذلك إلا بالإيمان الخالص والعمل الصالح، هؤلاء هم الصالحون لعمارة الأرض، والمستحقون للاستخلاف والتمكين فيها، قال تعالى: ((ولقد كتبنا في الزابور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين)) الأنبياء: 105-106

وعن الأعرج عن أبي هريرة، رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير" رواه مسلم.

أيها المؤمنون:

من كان قويا عاش عزيزا، أما الضعاف المهازيل فهم عالة على الأقوياء يعيشون على هامش الحياة، يطمع فيهم الطامعون، وينال منهم الباغون.

عباد الله !!

إن الإسلام وضع لقوة الأجسام وصحة الأبدان منهجا رشيدا، يقوم على مبدأ الوقاية قبل العلاج وقاعدة وضعها نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم : "لا ضرر ولا ضرار" ووسيلة تحقيق هذا المبدأ وهذه القاعدة في الإسلام هي الطهارة بمفهومها الشامل "طهارة الأبدان، وطهارة الأثواب، وطهارة البيئة والمكان". فقد جعل الإسلام الطهور شطر الإيمان، وهو آية الإيمان الصادق، لقول الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم: "الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد الله تملآن ما بين السماء و الأرض والصلاة نور والصدقة برهان، والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك".

أيها المسلمون:

إن قذارة الجسم والمكان نداء لتجمع الحشرات الضارة، ومستنقع للأمراض الفتاكة التي تشكل خطرا على صحة الإنسان، ومما يزيد خطورة وفتكا هو تلوث البيئة وانتشار القمامة والأوساخ، وتفشي الروائح الكريهة المضرة للإنسان والحيوان والنبات.

أيها المسلمون:

إن عناية الإسلام بالنظافة والصحة جزء من عنايته بقوة المسلمين المادية والأدبية، فهو يتطلب أجساما تجري في عروقها دماء العافية، ويمتلأ أصحابها فتوة ونشاطا، فإن الأجسام الهزيلة لا تطيق عبئا، والأيدي المرتعشة لا تقدم خيرا.. ورسالة الإسلام أوسع في أهدافها وأصلب في كيانها من أن تحيا في أمة مرهقة موبوءة عاجزة، ومن أجل ذلك حارب الإسلام الأمراض ووضع المعيقات أمام شيوع جراثيمها ووبائها حتى لا تنتشر فينتشر معها المرض وبالتالي الضعف والشلل، وقبل أن يحث على التداوي دعا الناس إلى تجنب الوقوع في أسباب المرض باعتماد قواعد النظافة الدائمة، وإزالة أسباب الضعف الخور الجسماني والعقلاني، وإذا وقع امرؤ في براثن المرض، وجب عليه أن يعالجه حتى ينجو بالتماس الأدوية الناجعة، والبحث عنها عند الأطباء المؤهلين للعلاج، قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تتداووا بحرام" رواه أبو داوود والبيهقي.

كما حرم الإسلام الالتجاء إلى الشعوذة في طلب الشفاء عند الدجالين والمشعوذين، فعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: " من علّق تميمة فلا أتمّ الله له، ومن علّق ودعة فلا أودع الله له" رواه الحاكم.

ومن طرق التماس الصحة والعافية أيضا المحافظة على البيئة والمحيط العمراني، فالعناية بالأرض غراسة وتخصيبا، وبخضرة الطبيعة زراعة وتشجيرا هي في الإسلام من أبر الأعمال وأوكد الواجبات لقوله صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي رواه مالك بن أنس رضي الله عنه أنه قال:"ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" رواه البخاري.

أيها المؤمنون:

إن الأمة التي تشجر أرضها وتعتني بزراعتها، وتحافظ على محيطها الزراعي والعمراني من كل ما يعرضها إلى الضياع والتلف والتلوث والعفن، لهي أمة جديرة بالاحترام والتقدير، والتفوق والتبجيل، أما الأمة التي تسعى إلى إتلاف النبات بالحرق والإبادة، وتلويث المحيط العمراني والفلاحي والمائي بالغازات السامة والنفايات المضرة، وتقليص المساحات الصالحة للزراعة بالإسمنت المسلح، وجرف البساتين وقلع الأشجار وحرق الثمار، هي أمة وضيعة منحطة، غير جديرة بالاحترام والتقدير ولا يصنف أفرادها في عداد الآدميين لأنها تفسد في الأرض بعد إصلاحها والله سبحانه يقول وهو أصدق القائلين: ((ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين)) الأعراف: 56، فالفساد المنهي عنه هنا هو فساد عام ينسحب على الفساد الأخلاقي والفساد البيئي والفساد السياسي والاقتصادي، وخراب الأرض بعد تعميرها وتدمير خضرتها وإتلاف نباتها وتلويث هوائها وإفساد في الأرض أيضا.

أيها المؤمنون:

إن بلادنا الجزائر هي جنة من جنان الدنيا، تربتها خصبة طيبة مباركة، تنبت جميع الزروع، وتؤتي جميع الثمار الشهية، وتجود بجميع الفواكه حلوة جنية، وهي فوق هذا كله حباها الله بالجلال والجمال الساحر حيث تنوع الأقاليم، وتعدد التضاريس، ووفرة المياه، وكثرة الأشجار وتنوع الأطيار...الخ

أفلا يستحق هذا الجود والعطاء حمد الله وشكره على نعمه وآلائه؟ فبلادنا في أمس الحاجة إلى السواعد العاملة والأيادي الطيبة والنفوس الواعية، وذلك بالمحافظة على أنفسنا من الأمراض والعلل، ومحيطنا من الأوساخ والعفن، وأرضنا من الجدب والقحط، وعمراننا من الفساد والدمار، ونباتنا من الحرق والإزالة، وجونا من التلوث والعفونة، فعار على أمة تنتسب إلى الإسلام الذي يدعوها فيه أن تغتسل في اليوم خمس مرات، أن تزهد في ترك الأوساخ ورمي القاذورات في أفنيتها ودورها وأماكن جلوسها.

عار على أمة دينها الإسلام لا تأبه بالنظافة بل تحرص على تجميع الأوساخ ورمي القاذورات من شرف منازلها لتقع على أفنيتها وأماكن تجمع أطفالها ، فتنبعث الروائح الكريهة ، وتنمو الأمراض الخبيثة من جراء هذا الصنيع الذي لا يقره عقل ولا دين فاتقوا الله عباد الله وتوبوا من كل ضر وشين.

الخطبة الثانية:

الحمد لله القوي العزيز، القدير الخبير، نحمده سبحانه، ونشهد أن لا إله إلا الله الحكيم البصير، أمر بكل خير، ونهانا عن كل شر، ونصلي ونسلم على محمد، أرسل بخير دين، في خير أمة أخرجت للناس، دعاها لأن تكون صحيحة النية، سليمة البنية، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

أيها المؤمنون:

اتقوا الله حق التقوى، واحمدوه، واشكروه على ما وهبكم من الآلاء والنعم، واعلموا أن أعظم نعمة منحها الله لعباده بعد نعمة الإيمان والتوحيد هي نعمة الصحة والعافية، والسلامة من الأمراض والأسقام.

ومن سنن الله في خلقه أن يجعل الخير في الأرض للأقوياء، في أنفسهم بسلامتها من العلل والأمراض، وسلامتها من الآفات والعلل النفسية والروحية. فما علت أمة إلا بقوة أبنائها عندما يكونون أصحّاء الأجسام أصحّاء العقول.

أيها المسلمون:

إن الإسلام وضع لقوة الأجسام وسلامتها من الأمراض والعلل منهجا حكيما، يهدف إلى المحافظة على الصحة، والعناية بالأبدان، ووسيلة ذلك هي النظافة أو ما يصطلح عليه في الإسلام بالطّهور.

فقد جعلها الإسلام آية التدين الصادق، وأساس التطبيق الحقيقي لتعاليم الإسلام ومبادئه السّمحة.

ويتضح هذا المعنى على حقيقته من خلال قول الرسول الأكرم، صلوات الله وسلامه عليه، في الحديث الجامع: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان ...."، وبيّن صلى الله عليه وسلم، وأظهر، بأن أمته تعرف من بين الأمم يوم القيامة على كثرتها بهذا النوع من النظافة، فيقول صلى الله عليه وسلم: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجّلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" رواه الشيخان.

عباد الله !!

إن قذارة الجسم والثوب والمكان، نداء لتجميع الحشرات، ومستنقع للأمراض، هي أفتك ما يكون بصحة الإنسان، وإنّ من أخطر هذه الحشرات التي تشكل وباء على صحّة الإنسان، هما: البعوض والذباب، وهما من أكثر الحشرات اكتساحا خصوصا في فصل الحر، وأنّ خطرهما معروف في نشر العدوى وأمراض العيون، فكم من عين سليمة نقلت إليها حشرة من هذا النوع مرضا من الأمراض فأتلفتها.

وصدق الله العظيم إذ يقول: ((وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب)) الحج:73، وفي نظافة الماء يقول تعالى: ((وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه ممّا خلقنا أنعاما وأناسيّ كثيرا)) الفرقان: 49

أيها المسلمون:

إننا نعلم أن من الأمهات من هنّ مهملات لصحّة أبنائهن، عارفات بذلك أو جاهلات، فكثيرات يهملن صحّة أبنائهنّ من الصغر، فالطفل عند أبويه عامة وأمه خاصة أمانة كبرى وضعها الله، ومن ضياع الأمانة ترك الطفل عرضة للأمراض بسبب ما يعلق ببدنه أو ثوبه من أوساخ أو قاذورات

ومن ضياعها أيضا تركهم طوال اليوم، خاصة في أيام العطل، يلعبون في التراب والأوحال، ووسط برك المياه، وبين الطرقات، وكثير منهم ما تقتلهم السيارات بسبب غفلة الآباء عنهم، ومن الخيانة لهذه الأمانة إطلاق العنان للأطفال بضياع أوقاتهم سدى طوال النهار في دور الملاهي والسينما، وأمام شاشات التلفاز، فإن ذلك يعرضهم إلى ضعف البصر، وانتهاك الصحة وتلف الذاكرة.

أيها المؤمنون:

إن عناية الإسلام بالنظافة والصحة، جزء من عنايته بقوة المسلمين وقد وفّر الإسلام أسباب الوقاية بما شرّع من قواعد النظافة الدائمة، كما أرشد الناس التماس الأدوية النافعة لما يحيق بهم من آلام. قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بالحرام" رواه أبو داوود والبيهقي.

فحرام الالتجاء إلى الخرّافين والسحرة والمشعوذين لالتماس العافية عندهم، فإنّ لكل علم أهلا، يحسنونه ويتقنونه.

أيها المسلمون:

إن الله أكرمكم بأعظم دين ارتضاه لكم، وهو الإسلام، والإسلام دين الطهر والطهارة، فلا تستقيم طهارة الروح إلا بطهارة الجسد، ولا تستقيم طهارة الجسد إلا بطهارة المكان.

وكل هذه بعض إرشادات جاء بها الإسلام للمحافظة على الصحة وعلاج الأمراض البدنية، وقد أثبت الطب صحتها وعظم نتائجها في الوقاية وحفظ الصحة.

اللهم عافنا في أبداننا من الأمراض والأسقام، وارزقنا الصحة والعافية، وسلامة الأبدان. آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

محمد لعروسي حاميدي-الجزائر العاصمة