أنت هنا

رسالة رئيس الجمهورية بمناسبة يوم العلم الجزائر، 14 أبريل 2012

 بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

و على آله  وصحبه إلى يوم الدين

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السادة الأفاضل،

 

إن مناسبة 16 أفريل التي نحييها اليوم تهل علينا و الجزائر بصدد تعميق المسار الديمقراطي، وتستعد للاحتفال بخمسينية استقلالها.

لقد سعت الجزائر، حال استرجاع سيادتها، إلى استدراك التأخر المتراكم طول الحقبة الاستعمارية بجعل التربية و التعليم والمعارف أولوية من أولوياتها. فكانت دقرطة التعليم و مجانيته، وتطوير المنشآت القاعدية للتكوين و البحث عبر التراب الوطني من المحاور ذات الأولوية في السياسات الاستثمارية خلال العقدين الفارطين. و لتأمين ما يكفي من التأطير النوعي، جعلت الدولة وفرة المعلمين وتكوينهم انشغالا من انشغالاتها الهامة.

إن الاحتفال بهذا اليوم، مناسبة للأمة لقياس الأشواط التي قطعتها و لتكريم جميع النساء و الرجال الذين أمّنوا، بفضل شجاعتهم و عزمهم و نكرانهم للذات، الدخول الجامعي و المدرسي لسنة 1962 وما زالوا يواصلون مهمتهم النبيلة في تبليغ العلم وفي النهوض بالتكوين.

لقد تم، على نطاق واسع، سد العجز الذي خلفته مائة و إثنان و ثلاثون (132) سنة من الاستعمار. ومنحت المجانية و الحق المكفول في التكوين لكافة الجزائريين والجزائريات الفرصة لبلوغ أعلى درجات التأهيل والكفاءة، و الاضطلاع بمهمة تأطير البلاد بكل جدارة.

أمّا مواطنونا الذين قرروا الاستقرار في الخارج، فإن اندماجهم في البلدان التي استقبلتهم واعترافها بكفاءاتهم مبعث افتخار للذين تولوا تعليمهم و اعتزاز للأمة جمعاء. و لا بد في هذا المقام، من الإشادة بتعلقهم بموطنهم الأصلي وباستجابتهم له كلما دعت الحاجة إليهم.

لئن كانت التقديرات التي تصدرها مؤسسات التقييم الدولية حول أداء منظومة التكوين و البحث في بلادنا قابلة للنقاش بل محل طعن في بعض الأحيان، فإن لها الفضل في توجيهنا إلى التحديات الواجب رفعها وإلى مراجعة وتحسين منظومتنا التربوية لتكييفها مع الجهود المبذولة في إطار السياسات العمومية و الإرتقاء بها إلى المستوى المنشود.

في سياق عولمة المبادلات و سرعة المعلومة، اختارت الجزائر بحزم تكنولوجيات الإعلام و الاتصال الجديدة في منظومة التكوين و البحث والاتصالات،  وهي تقلص بذلك تدريجيا الفجوة الرقمية التي تفصل بينها وبين الدول المتطورة. ويبقى التحدي القادم متمثلا في التعجيل بتقليص الفجوات المعرفية. إننا نوكل مهمة المشاركة في صياغة المحتوى المتداول والتزام اليقظة بشأن صدقية المعلومات لشبابنا البارع في التكنولوجيات الجديدة والحريص على مصالح بلاده و المنخرط في معركة المعرفة.

إن العلوم و التكنولوجيات تتطور بشكل متسارع، وأن قوة الأمم اليوم أصبحت تكمن في قدرتها على إنتاج المعارف وتحويلها إلى ابتكارات وثروات. إننا في هذا المشهد الجديد، أمام مراكز منتجة للمعارف والابتكارات و أخرى تقبع على الهامش على بعد متفاوت من تلك المراكز. فالرهان الذي نواجهه هو الاندماج في هذا النظام على قدر قدراتنا وحاجاتنا و مصالح بلادنا.

لقد شرعنا في إطار البرنامجين الخماسيين الأخيرين، في إنجاز مشاريع ضخمة اعتمدت أحدث التكنولوجيات المتطورة في مجال الري وبالخصوص في تحويل المياه، و في مجال الأشغال العمومية، من خلال الأشغال الفنية المنجزة في إطار مشروع الطريق السيار شرق-غرب.

هذه البرامج المهيكلة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية التي باشرناها تشكل، بالنسبة لمهندسينا و تقنيينا الشباب أفضل وسيلة للتعلم ولتطوير تكنولوجيات أكثر ابتكارا. ذلك أن التقدم الحقيقي يتحقق بالجمع بين التنمية الاقتصادية والسياسية و التطور العلمي و التكنولوجي.

من منطلق هذه الروح، تم تركيز الجهد خلال السنوات العشر المنصرمة، بوجه أخص، على نشاط البحث، الذي كرسه القانون من الأولويات الوطنية لمرافقة التنمية الاقتصادية و الاجتماعية للبلاد. فبفضل إنشاء قاعدة علمية وطنية ستتمكن بلادنا من استيعاب التطورات العلمية و تكييفها وفق حاجاتها الخاصة و كذا الإسهام في جهود البحث المبذولة عبر العالم.

إدراكا لدور المكونين و حرصا على استقرارهم، انصبت جهود الدولة، كذلك، على تحسين الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للمدرّسين في جميع الأطوار وتحسين ظروف أداء نشاطاتهم البيداغوجية و العلمية.

إن الجائزة العلمية التي أسسناها نابعة من الرغبة في توطيد الصلة بين القوى العلمية و القوى المنتجة في البلاد. و هذه الجائزة، التي تمنح سنويا هي عرفان من الأمة لمنتجي المعرفة.

إن الرغبة في الاندماج في الاقتصاد المعولم، لا يمكن أن تنسينا تاريخنا و إرثنا الثقافي. وعلى أساس هذه القناعة، تمّ وضع سياسة تهدف إلى حفظ و صون و ترقية تراثنا الثقافي المادي واللامادي. لكن حتى و إن كانت مضبوطة بموجب قانون تتولى الحكومة تنفيذه، فإن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها. بل تحتاج إلى تجند فعال لكافة الأطراف. إن المدن القديمة و القصور التاريخية والفڤارات و الزوايا والمخطوطات و المساجد و غيرها من المراكز والآثار كلها رموز للحياة و للذاكرة ليس بالنسبة للذين يعيشون فيها فحسب، وإنما بالنسبة للمجموعة الوطنية قاطبة.

لقد مكّنت التظاهرات المخصصة للثقافة العربية بالجزائر العاصمة و للثقافة الإسلامية في تلمسان المختصين، وجميع الجزائريين والجزائريات، من تجديد العلاقة، كل حسب طريقته، مع بعض الجوانب من التاريخ المشترك مع العالم العربي و العالم الإسلامي.

و جاء تنظيم المهرجان الإفريقي بدوره تعبيرا صريحا على وجداننا الإفريقي. إن التفكير القائم حول مصير إفريقيا، من خلال التبادلات والتفاعلات و التذكير بالمسار النضالي لشعوبها يدل على الإرتباط الوثيق بين المقومات الثقافية والمحتويات التنموية

تشكل هذه التظاهرات، إضافة إلى بعدها الاحتفالي، فرصة تتجدد باستمرار للغوص في تاريخنا و العودة إلى تقاليدنا العريقة والمتسمة بالانفتاح و التي ميّزت على الدوام الجزائر الثرية بتنوعها و الفخورة بتراثها و رصيدها.

 

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السادة الأفاضل،

لا ينبغي و لا يمكن فصل هذا الالتزام المستمر لصالح مجتمع فخور بماضيه ومتفتّح على العالم،عن الإصلاحات السياسية التي شرع في تنفيذها، في سبيل دعم المسار الديموقراطي، إذ لا يمكن للمؤسسات السياسية العمل بشكل سليم إلا إذا كانت الأسس الثقافية متينة و مرتبطة بقيمنا الحضارية.

كما لا يمكن فصلها عن الجهود المبذولة لحماية الفئات الضعيفة في مجتمعنا والحفاظ على المكاسب الاجتماعية. فقد تم، على الدوام، إيلاء عناية خاصة لقطاعات التربية و الصحة و السكن والحماية الاجتماعية و الشغل و التضامن الوطني. هذا المسعى ينبثق من إرادة سياسية ثابتة في تجنب الفصل بين الحقوق الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، و الحقوق السياسية. هذه القناعة تضرب أطنابها في تجربتنا التاريخية، ومن الأهمية بمكان أن يستلم الجيل الصاعد الذي هو قوة البلد اليوم هذ المشعل، وعليه بالمحافظة على الوديعة وصونها.

ولا يمكن لشبابنا في مناسبة هذا اليوم الأغر، أن ينسى العمل النضالي الملتزم الذي بذله علماؤنا، الذين لم يفرّقوا أبدا بين تحصيل المعرفة و العلوم وبين الكفاح من أجل الاستقلال و التمسك بالهوية والحرية والشرف. بالفعل لقد قررنا  طيّ صفحة الحقبة الاستعمارية من أجل التطلع إلى المستقبل، لكن الشعب الجزائري لم و لن يصب بداء النسيان.

إن الشعب الجزائري، على غرار كافة الشعوب المضطهدة، تعلم أن التنمية والديمقراطية لا تأتيه من أية جهة خارجية كانت، بلغت ما بلغت من درجات التطور و الديمقراطية. وما يحدث اليوم تحت ذريعة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان يبقى موضوعا فيه ما يقال. فالديمقراطية مثلها مثل التنمية لا تمنح هبة ولا تستورد مصنعا جاهزا.

لقد كانت التعددية الحزبية و النقابية وحرية الصحافة التي تم دسترتها ببلادنا عام 1989 مدرسة حقيقية للتكوين والتعلّم جددت العهد بتقاليد تعددية الحركة الوطنية.

و الإصلاحات التي تمت مباشرتها خلال هذا العام من أجل مشاركة أكبر للنساء والجامعيين، والشباب، وحالات التنافي مع العهدة الانتخابية،وتحسين ظروف ممارسة الحقوق السياسية بتعديل قانون الانتخابات، و قانون الأحزاب والجمعيات تصب كلها في اتجاه التعميق الجاري للمسار الديموقراطي.

لكن هذا المسعى المتوخي دعم المكاسب المسجلة في مجال الحقوق السياسية كما لا يمكن عزله و تقويمه خارج مكاسب وتواصل خطط التنمية وتحسين الوضعية الاجتماعية والاقتصادية لشعبنا، لا يمكن عزله أيضا عن الإجراءات المتخذة لإحلال السلم في إطار المصالحة الوطنية.

ذلك أن المعنى الحقيقي للتنمية والديمقراطية لا يكتمل إلا في ظل المجتمع المطمئن المتصالح  مع تاريخه، المجتمع  الذي لا يخشى على مستقبله. هذا هو رهان الانتخابات المقبلة، و هذا هو جوهر الإصلاحات المنتهجة.

 

أيتها السيّدات، أيّها السادة،

ونحنُ على أبواب استحقاقاتٍ سياسيةٍ هامة، تأتي في ظلِّ تحدّياتٍ داخليةٍ وخارجيةٍ حسّاسةٍ، أودّ التّذكير بأن الجزائر كانت دوما متفاعلة مع حركة التاريخ، إذ كانت من البلدان الرائدة التي سايرت حركة التحرّر التي انتشرت في العالم   بعد الحرب العالمية الثانية، فقامت بثورة كبرى حاملة للقيم الإنسانية السّامية، قيم الحق والحرية والعدل والتسامح وحقوق الإنسان وغيرها مما يشكّل ماهية الديمقراطية، والتي ظلت حية راسخة في مجتمعنا الجزائري، حتى في أحلك حقب التاريخ.

كذلك هي الجزائر اليوم، من البلدان السبّاقة في خوض تجربة ديمقراطية تعددية واسعة، تعمل على تكريسها وتعميقها على كافة المستويات. كما تحرص على احترام الحريات وحقوق الإنسان وترقيتها في جميع جوانبها، السياسية والاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، مواصلة تكييف مختلف تشريعاتها الوطنية بما ينسجم وحاجات المجتمع و تطوّره، وبما يتلاءم مع حركة التحوّلات العالمية ومقتضيات التنظيمات الدّولية المعمول بها.

إن بلادنا التي عملت باستمرار على إرساء قواعد تنمية كبرى في جوانبها المادية والبشرية على السّواء، وكانت من الدول الرائدة في المطالبة بديمقراطية حقيقية في العلاقات الدولية، مرافعة من أجل نظام عالمي جديد أكثر إنصافا وتوازنا وتضامنا، لا يمكنها أن تتخلّف اليوم عن مواكبة التقدم الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي الباهر، ولا أن تتأخّر عن ركب التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات الممارسة الديمقراطية  و الحريات الفردية و الجماعية وحقوق الإنسان.

إننا نعيش عولمة شاملة، حاملة لمتغيرات جذرية، تتطلب يقظة الوعي الجماعي بأهمية التحدّيات المطروحة و حساسية الظروف المحيطة، تقتضي تعبئة كافة الطاقات الوطنية لاستكمال برامج الإصلاح و التشييد المسطّرة  وإنجاح كافة الاستحقاقات السياسية القادمة، التي نعتبرها محطة فاصلة ورهانا مصيريا يجب أن نكسبه، و لا خيار لنا إلا النجاح.

إن الشعوب التي لا تحسن قراءة التاريخ واستخلاص الدروس، قد تعيش هذا التاريخ أكثر من مرّة. و هي إن لم تجتهد وتشارك في صياغته فإنه لا محالة سيُصنع في غيابِها، و ربّما يُرَتَّبُ ضدَّها. إن رياح العولمة عاتية آتية، فمن لم يبادر إلى الإصلاح و التجدّد و التحصن بقناعة ومنهجية و تبصّر، فقد يصعب عليه مواجهة  التغيير الجارف الذي سيأتيه من حيث لا يدري ولا يشتهي.

إن ما عاشته أمتنا من متاعب في سنوات المحنمة الوطنية، وما لاقته من مصاعب، ومن ويلات عاناها شعبنا و خاض غمارها وحيدا، دون مصغ أو مجيب جعلت شبابنا يعرف معنى تهديم الأوطان و تمزيق الأرحام،  فسارع للإستجابة لنداء العودة للإلتئام و صنع معجزة المصالحة والوئام وتثمين السلم و الأمن و الأمان.

إن الدّولة تستمد مشروعيتها من إرادة الشعب، الذي هو مصدر كل السلطات، كما جاء في دستور الجمهورية. و إن الديمقراطية هي سيادة أو حكم الشعب، الذي يمارسه بواسطة المؤسسات الدستورية التي يختارها، عن طريق ممثليه الذين ينتخبهم بكل حرية، لتولي تسيير شؤونه، شؤون البلاد، من رئيس البلدية إلى رئيس الجمهورية.

فالانتخاب، إذن، هو الآلية الضرورية لتجسيد إرادة الشعب. هو الطريق الصحيح لتكريس الشرعية الدستورية، و الضمان الكفيل بحماية الديمقراطية من أي تجاوز أو انزلاق. لذلك، يجب ممارسة الانتخاب من حيث هو فعل ديمقراطي بامتياز، علامة مواطنة وحسّ مدني، التزام وطني و سلوك حضاري، حق وواجب دستوري لا يجوز التهوين من شأنه أو التفريط فيه أبدا.

و عليه، لا يمكن ترقية الديمقراطية الحقيقية، التمثيلية أو التشاركية بلا مجالس منتخَبة على مختلف المستويات، المحلية و الوطنية، مجالس شاملة لاتجاهات فكرية و سياسية مختلفة، ولتركيبة بشرية رفيعة متنوعة. مجالسٌ يُعْتمَدُ عليها كإطار للتفكير والتدبير، وخزان للكفاءات و الخبرات و هيئة استشارة و مراقبة. مجالس نريدها أن تمثل بحق إرادة الشعب، كل الشعب الجزائري بمختلف شرائحه و فئاته و تياراته، بأغلبيته وأقليته، بأحزابه الكبيرة و الصّغيرة، مستوعبة لقضاياه و مستجيبة لطموحاته. مجالس نريدها أن تشارك على نحو فعّال في صياغة النصوص والقرارات، وبلورة الخطط و السياسات التي من شأنها خدمة مصالح البلاد والعباد.

و من هنا تتجلى أهمية المشاركة المكثفة في اقتراع العاشر من مايو القادم، و إنجاح الانتخابات التشريعية، التي ستفرز هيئة تشريعية رقابية عليا ضمن مؤسسات الجمهورية العتيدة.

لقد قدمت الدولة كافة الضمانات من أجل انتخابات حرة و شفافة. فعلى الأحزاب السياسية و المواطنات و المواطنين أن يؤدوا دورهم و يتحملوا مسؤوليتهم حتى لا تذهب تضحيات النساء والرجال الذين جاهدوا في سبيل الاستقلال و الوحدة الترابية لهذا البلد سدى، و حتى ينال تفاني الذين دافعوا عن سيادته وتنميته حقهم من العرفان.

 

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.