أنت هنا

خطاب افتتاح الأسبوع الوطني الخامس عشر للقرآن الكريم من 18 إلى 20 جانفي 2014

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية

 

وزارة الشؤون الدينية و الأوقاف

 

خطاب افتتاح

الأسبوع الوطني الخامس عشر للقرآن الكريم

من 18 إلى 20 جانفي 2014

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

و صلى الله و سلم على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين

و على آله و صحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

 

آيتها السيدات الفضليات:

أيها السادة الأفاضل:

 

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته؛

يسعدني أن أجد نفسي بينكم لأشهد معكم انطلاق فعاليات الأسبوع الوطني الخامس عشر للقرآن الكريم الذي ينعقد على بركة الله و نحن ما نزال في غمرة الاحتفال بذكرى ميلاد البشرية من جديد بميلاد المصطفى صلى الله و ملائكته عليه و على آله و صحبه و سلموا تسليما؛ هذه الذكرى العطرة التي تعود على الجزائر و هي أشد ما تكون تمسكا بكتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه و على آله و صحبه، و أكثر ما تكون حرصا على إعزاز أهل القرآن و تقديرهم حق قدرهم؛ تكرم مقرئيه و قارئيه و تشجع الفائزين من حفاظه، و لا عجب في ذلك فعناية الجزائر بالقرآن ليست وليدة مناسبة عارضة، بل هي طبع أصيل في أهلها،لم يزده تعاقب الأجيال إلا تجذرا ورسوخا؛ لأنها مدينة له بالخروج من ظلمات الشرك إلى نور الحق المبين، منذ الخطوات الأولى للرسالة المحمدية التي أنارت ربوع هذه الأرض بنور هدايتها؛ فالجزائر إنما بالقرآن اهتدت و به تماسكت وتوحدت و به صمدت و جاهدت و انتصرت، و على هديه إن شاء الله ستستكمل بناء مشروعها النهضوي الحضاري و تحقيق مجتمع عصري أصيل يجمع بين مقومات شخصيتها الثابتة و بين أسباب النهوض و التقدم؛ قوام هذا المجتمع مبادئ الحرية و العدل و التضامن و التسامح في أمن و أمان و استقرار؛ بعد أن استعادت - بحمد الله - مكانتها و ثقتها بنفسها يُخطب ودها و يعتد برأيها و مواقفها في المحافل الدولية؛ فهي اليوم كلها اطمئنان إلى حاضرها و تفاؤل بمستقبلها.

 

آيتها السيدات الفضليات:

أيها السادة الأفاضل:

إن المحاور التي سيتناولها هذا الملتقى بالدراسة و البحث عديدة متكاملة و غنية غنى الشخصية الجزائرية التي صاغها القرآن الكريم في مختلف جوانبها؛ فالإسلام دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، و القرآن إنما جاء ليهذب هذه الفطرة لا ليعارضها أو يلغيها؛ و ذلك من خلال بيان الميزات الثلاث التي خص الله بها الإنسان و بنى على أساسها تكوينه، باعتباره أساس تكوين المجتمع؛ و هذه الميزات الثلاث هي:

أولا استخلافه في الأرض:"و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" (سورة البقرة 30) و هي خلافة تشريعية و تكوينية تتمثل في تصريف شؤون الأرض وفق شريعة الله سبحانه في إطار التكليف و تحمل الأمانة؛ و الميزة الثانية هي تفضيل الله سبحانه للإنسان على كثير من خلقه، بالعقل و بالعلم الذي استحق به سجود الملائكة له "و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" (سورة الإسراء70).

و الميزة الثالثة أن الله سبحانه قد سخر لهذا الإنسان ما في السماوات و ما في الأرض؛ قال جل من قائل "الله الذي خلق السماوات و الأرض و أنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم و سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره و سخر لكم الأنهار و سخر لكم الشمس و القمر دائبين و سخر لكم الليل و النهار" (سورة إبراهيم 32).

إن هذه الميزات الثلاث التي خص الإسلام بها الإنسان كإنسان، أيا كان جنسه و مكانه و زمانه و لونه و لغته و جدت قبولا و إيمانا و انسجاما مع الشخصية الجزائرية مما جعلها تستكمل تشكيل شتى جوانبها الأخرى وفق قيم الإسلام و مبادئه و أخلاقه و آدابه التي وجدت في هذه الشخصية أرضا خصبة مطواعة و مواتية لغرس هذه القيم و المثل و المبادئ و الآداب و الخلال الكريمة مما سيبرزه السادة الباحثون المشاركون في هذا الملتقى إن شاء الله؛ الأمر الذي جعل المجتمع الجزائري يطبع منذ القديم على حب القرآن الكريم و التعلق به حفظا و فهما و اقتداء؛ فكان له على مر الأجيال و العصور من علمائه الأعلام الذين ختموا تفسيره درسا و دراية و تأليفا، بدءا بالشيخ أبي عبد الله الشريف التلمساني إلى الشيخ عبد الرحمن الثعالبي إلى أبي القاسم البوجليلي وصولا إلى الإمام عبد الحميد بن باديس و فضيلة الشيخ بيوض رحمهم الله جميعا؛ و غيرهم من العلماء الذين خدموا مختلف علوم القرآن الكريم، و تألقوا فيها مما جعلهم يحظون بتقدير العلماء في المشرق و المغرب على حد سواء، يوم كانت مدارس بجاية و تلمسان و مازونة مراكز إشعاع علمي تجاوز صيتها حدود الجزائر و بلغ أصقاع العالم.

آيتها السيدات الفضليات:

أيها السادة الأفاضل:

من الخصائص البارزة لشخصية المجتمع الجزائري التي عرف بها بعد حب القرآن و التمسك به هي حبه للرسول صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم؛ و إن الباحث في هذا المجال ليقف دون عناء على كنوز يحفل بها تراثنا الديني تتمثل بالخصوص في المدائح الدينية المختلفة التي نظمها الشعراء في مدح الرسول صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم و في مناجاته، و في التبرك بورثته من العلماء الربانيين و الأولياء الصالحين و ذكر كراماتهم و أفضالهم على المجتمع الجزائري؛ نجد هذا التراث الروحي في مختلف ربوع الجزائر سواء ما عبر عنه باللغة العربية أو باللسان الأمازيغي؛ هذا التراث يؤكد أن حب الرسول صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم قد تغلغل في نفوس الجزائريين عامة، و انعكس في سلوكهم الفردي و الجماعي، و تجسد في المعجم اللفظي المتداول في المواسم و الأعياد و خصوصا في تقاليد الأسرة و عاداتها.

كما تجلى هذا الحب في استلهام سيرته العطرة و التعلق بشمائله الكريمة و الاقتداء به؛ و في مقدمة هذه الشمائل حب الوطن و الوفاء لأهله و التضحية في سبيل إعزازه و نصرته.

"أنت أحب بلاد الله إلى الله و أحب بلاد الله إلي، و لولا أن المشركين أخرجوني منك ما خرجت" هكذا خاطب رسول الله صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم مكة المكرمة، و قد اضطره المشركون إلى الخروج منها و الهجرة إلى المدينة!؛ مؤكدا بذلك أن تعلق الإنسان، أي إنسان، بالوطن إنما هو جبلة و غريزة ينزع إليها الإنسان بفطرته؛ و الإسلام إنما يقوم بتهذيب هذه النزعة و توجيهها الوجهة الصحيحة لتتناسق مع تعاليمه السمحة.

فالجزائري، ككل إنسان سليم الفطرة قد جبل على حب الوطن بمفهومه المكاني القريب و البسيط، أي حبه لأرض ذات حدود و لسماء بينها و بينه تاريخ مجيد و عهود؛ فهو يحس بفطرته السليمة تلك أن هذا المكان الذي ولد و عاش فيه إنما هو عنوانه و وجدانه و قوام حياته و وجوده؛ ثم أدرك بوعيه أن علاقته بهذا المكان تقوم على مبدأ المساواة مع الغير أمام ما يمليه العرف أو الشرع أو القانون؛ و أن عليه أن يقوم بواجباته نحوه قبل المطالبة بحقوقه منه؛ و هذا هو مفهوم المواطنة الحقة الذي لم يهتد إليه الفكر الوضعي إلا في العصر الحديث .

هذا المفهوم الذي يتنافى مع كل أنواع النزعات العرقية و الطائفية و المذهبية الضيقة التي تناقض الوحدة الوطنية بما تغذيه من الضغائن و الأحقاد و التعصب، و النزعة الفردية و طغيان المادة و المصلحة الخاصة؛ و هذا ما جعل المجتمع الجزائري المعروف بتعدد نسيجه الثقافي و الاجتماعي يعيش بمنأى عن هذه النزعات العرقية أو الطائفية المدمرة، و عن التطاحن الذي يولده التعصب المذهبي الضيق؛ و الفضل في ذلك كله للقرآن الكريم الذي شكل ذهنية مجتمعنا وصاغ وجدانه!؛ فظل على مر الأجيال إسمنت هذه الوحدة الدينية و الوطنية الجامعة

و روح هذه القوة المتجددة!.

لقد اعتنق أسلافنا الأوائل الإسلام كما نعلم جميعا عن دراية وقناعة و إيمان، فما لبث أن امتزجت قيمه السامية بالماء و التراب و الهواء، فلم يكن يبلغ الطفل الجزائري الفطام إلا و قد أخذ مع حليب أمه غذاء روحيا آخر أصح و أبقى، فينشأ على حب الكرم و الشجاعة و الصدق و الوفاء و أداء الأمانة، يعشق الحرية لا يرضى العيش إلا في عزة و كرامة!.

إن هيام الجزائري بالعيش الحر الكريم جعله يتجاوب بروح مفعم بالرضى و الإيمان مع دعوة القرآن الكريم إلى مقاومة كل نوع من أنواع الظلم و الاضطهاد؛ فالذي يعلم أن العزة لله و لرسوله و للمؤمنين، لا يمكن أن يرضى بالذل و القهر و كل ألوان العدوان و الطغيان!. إذ لا عزة مع الضعف و الهوان على النفس و الهوان على الغير!.

 

 

آيتها السيدات الفضليات:

أيها السادة الأفاضل:

لقد كان من يتعهد هذا المجتمع بحسن الدعوة و التربية و التوجيه هم علماؤه الذين أحبهم و قدرهم حق قدرهم و حرص على غرس هذا الحب و هذا التقدير في نفوس أجياله على مر السنين؛ و لا غرابة في ذلك، فإلى أولئك العلماء يعود الفضل في الحفاظ على مرجعيته الدينية التي ظلت دائما أساس وحدته الوطنية، و إليهم كان يعود هذا المجتمع دائما؛ سواء في حالة الأمن أو الخوف، السلم أو الحرب، فهم في أيام الأمن و السلم ينهجون له سبيل السعادة في الحياة، يغذونه من علمهم و آرائهم الحكيمة السديدة المنيرة المستنيرة بكتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم؛ بما يحمل هذا المجتمع على الاستقامة و الاعتدال و تحقيق القوة و المناعة و الريادة الحضارية؛ و يعود إليهم

في حالات التوجس و الخوف ليبصروه بما يجب فعله من اتخاذ الأسباب و عقد العزم و التوكل بعد ذلك على الله للخروج من كل ضيق محفوظ الشرف عالي الهمة.

و هذا ما يفسر كون الزاوية، التي كان يشرف عليها هؤلاء العلماء حاضرة حضورا حيا فاعلا في كل المحطات الكبرى للمسار التاريخي للمجتمع الجزائري، و هي حاضرة في وجدانه الذي غذته على مر الزمن الأعمال الجليلة التي قامت بها، خصوصا في فترات الضعف التي تفككت فيها الدولة و اهتزت سلطتها و تعطلت مؤسساتها؛ فالزوايا هي التي عوضت في تلك الحقب سلطة الدولة المنهارة في القيام بمهامها، كإدارة الشؤون الاجتماعية و قيادة الجهاد ضد المعتدين و محاربة الآفات الاجتماعية و الفصل في الخصومات.

و الزاوية - بعد ذلك كله - هي المؤسسة الوحيدة المتميزة بذلك الجانب الروحي المتمثل في ارتباط الناس - كمريدين و أتباع - بشيوخ الطرق الصوفية و الزوايا المرتبطة بها؛ و هذه الرابطة ليست انتماءا أيديولوجيا فكريا - بالتعبير الحديث - فيكون هذا الانتماء قابلا للتحول أو الزوال؛ كما أن هذا الجانب الروحي لا يرتبط بالمستوى العلمي أو الاجتماعي للمريدين و الأتباع؛ إنها علاقة وجدانية، أثمرتها محبة رسول الله صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم، لأن العلماءهم ورثة الأنبياء؛ و هذا ما يفسر حقيقة تاريخية كبيرة جديرة بإبرازها للأجيال؛ و هي أن معظم أبطال المقاومة و قادة الثورات المسلحة كانوا من العلماء و القادة الروحيين الذين كانوا دائما محل تعظيم و إجلال من قبل المجتمع الجزائري على اختلاف شرائحه وفئاته و مستوياته؛ لأن هؤلاء القادة الروحيين يخاطبون فيه قيم الإسلام و مبادئه الحية المتأججة في الضمائر و النفوس، تدعو إلى الجهاد و التضحية من أجل خير الدين و عز الوطن.

و لقد توجت ثورة نوفمبر الكبرى تلك الثورات المسلحة تتويجا رائعا - كما نعلم جميعا - كما جسدت بكل روعة وجلال تلك القيم و المبادئ الدينية و الوطنية، مما جعلها، تختزل في ذهن كل جزائري و جزائرية أربعة عشر قرنا من الزمن لترتبط بغزوة بدر الكبرى التي بشرت بزوال دولة الشرك مثلما بشرت ثورة نوفمبر بزوال ليل الاستعمار الطويل، و لا عجب في ذلك، فإن الذي أذكى جذوة الجهاد في الحالين هي صيحة "الله أكبر"!.

إن شخصية الجزائري التي صاغها القرآن تعكس في سلوكها العفوي قيم هذا القرآن و مثله و أخلاقه؛ في السلم و الحرب على حد سواء؛ فثورة نوفمبر - كأقرب مثال - إذا كانت قد بهرت العالم بعبقريتها التنظيمية و الحربية، فإنها قبل ذلك و بعد ذلك قد بهرت كل أحرار العالم بأخلاقياتها الإنسانية الرفيعة التي أشاد بها كل من عرف جيش التحرير الوطني عن قرب، و شاهد بنفسه معاملته المثالية للأسرى و الجرحى، و من هؤلاء بعض الفرنسيين أنفسهم.

 

آيتها السيدات الفضليات:

أيها السادة الأفاضل:

إن من الصفات التي عرف بها المجتمع الجزائري كذلك و برز أثرها جليا في تصريف شؤونه حبه للعدل و ميله إلى التسامح؛ لقد رسخ القرآن فيه قيمة العدل التي كان يميل إليها و يقدرها بفطرته، بعد أن أدرك تميز مفهومها في الإسلام بكون الخالق سبحانه قد بدأ بنفسه عز وجل، فكتب عليها العدل بين خلقه، و بعد ذلك فقط الزم خلقه به و طالبهم بإقامته في تعاملهم بعضهم مع بعض، فالعدل قيمة مقدسة مقصودة لذاتها فأوصى الله سبحانه رسله و عباده بتجسيد هذه القيمة، فقال جل من قائل "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط و لو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين" (سورة المائدة - الآية 8) لقد انعكست هذه القيمة، في مختلف مناحي حياة المجتمع الجزائري، سواء فيما بين أفراده عملا بقوله تعالى "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" (سورة النساء - الآية 58) أو في فيما بينهم و بين غيرهم، "و لا يجر منكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، أعدلوا هو أقرب للتقوى" (سورة المائدة - الآية 8)

فبدون العدل لا يمكن تحقيق المساواة بين الناس؛ و إن أول محيط تجسدت فيه هذه القيمة هو محيط الأسرة الجزائرية، بعد أن زاد الإسلام نظرة الرجل إلى المرأة تحررا و تهذيبا، عندما سوى بينهما في الكرامة الإنسانية و في الوظيفة الحياتية و القيمة الأخلاقية "و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر"(سورة التوبة 71).

فما من واجب فرض على المرأة و أعفي منه الرجل، أو حق أعطي للرجل و حرمت منه المرأة، فهما في الحقوق و الواجبات سواء؛ و هذا ما جعل المجتمع الجزائري يفسح المجال واسعا للمرأة لتسهم و تبدع و تحقق ذاتها في كل مجال حيوي من مجالات الحياة، و لنا في تاريخنا القديم و الحديث خير الأمثلة على عطاء المرأة الجزائرية و عبقريتها المبدعة، و لعل أروع تلك الأمثلة جميعا ما قامت به خلال ثورة التحرير الكبرى.

إن حب العدل و الحرص على إقامته يستتبع حتما الميل إلى التسامح و اللين في التعامل مع الآخر.. و الإحسان إليه، اقتداء برسول الله صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم الذي امتلك قلوب أعدائه و خصومه ناهيكم عن أتباعه، بصفة الحلم التي ضرب فيها أروع أمثله عرفها تاريخ البشرية؛ و لقد جسد المجتمع الجزائري هذه الصفة سواء في السلوك الفردي أو الجماعي، بين أبنائه، أو مع غيره من المجتمعات و الأمم.

إن التسامح - كما تعلمون - قيمة حضارية تعكس درجة من الوعي و التحكم في الأنا من أجل قبول الآخر و التفاهم معه.

و التسامحُ عبادة لأنه إحسان إلى الخلق و الله يحب المحسنين؛ و هو ثقافة لأنه يجسد القيم التي تضبط السلوك الإجتماعي القويم و المواقف الإيجابية تجاه الآخرين؛ سواء من أبناء المجتمع الواحد أو من غيرهم، بغض النظر عن جنسهم أو دينهم أو لغتهم.

و للمجتمع الجزائري نماذج تاريخية فريدة حية و خالدة في إبراز صفة التسامح، ببعديه الديني و الحضاري؛ نذكر على سبيل المثال - في مجال التسامح مع الغير - المأثرة الأخلاقية الرائعة للأمير عبد القادر الجزائري التي كان لها صدى عالمي واسع سجلت له بأحرف من نور في تاريخ التسامح بين الأجناس و الأديان و تقدير الإنسان كإنسان؛ فقد أخمد الأمير عبد القادر - كما تعلمون - لهيب الفتنة الطائفية في سوريا التي كادت تعصف بحياة خمسة عشر ألف مسيحي أشعلتها المؤامرات الأوروبية.

و لقد كتب الكثيرون عن هذا الموقف الإنساني التاريخي للأمير و عن إشادة الدول الأوروبية و الشخصيات الدينية و العلمية و السياسية العالمية بشجاعته و نبله و إنسانيته، و كان الأمير يجيب كل من يسأله عن الدافع إلى القيام بهذه المبادرة الإنسانية السامية: "هذا واجب يمليه علي ديني"!.

و أما في مجال التسامح مع الذات فإن خير مثال على ذلك هي المصالحة الوطنية التي أقدم عليها المجتمع الجزائري، بحمد الله و منِّه، بفضل الإرادة الحرة الخيرة لأبنائه و بناته البررة الذين يضعون مصلحة الوطن العليا فوق كل اعتبار!، و لا غرابة في ذلك فإن فضيلة الإقرار بالخطأ و الجنوح للسلم و التسامح و الاستعداد للمصالحة من الصفات الأصيلة في المجتمع الجزائري عرف بها منذ القديم؛ و هذا الخلق الكريم هو الذي مكنه دائما من أن يصنع من الشتات وحدة و من الضعف قوة كلما أصاب تلك القوة و هن أو أصاب تلك الوحدة تصدع!.

إن التسامح الذي أثمر القيام بهذه المبادرة التاريخية الرائدة هو الذي أخرج الجزائر نهائيا من أزمتها التي لغمت مستقبل أجيالها و دفعت بها إلى التدمير الذاتي، فأيقن العدو و كاد يؤمن الصديق بأن كيانها قد انهار و وحدتها قد تلاشت؛ هذا الخلق الكريم، خلق التسامح و المصالحة هو الذي جعل الجزائر اليوم - بعد احتواء أزمتها - تجسد تطلعاتها و تطوي صفحة الدموع و الدمار و الموت، لتفتح صفحة الأمن و الوئام و العيش في عزة و كرامة و أمان.

 

آيتها السيدات الفضليات:

أيها السادة الأفاضل:

إنكم خير من يعلم أن أي نشاط فكري جاد ينبغي أن ينطلق من الواقع ليعود إليه بغية الإسهام في حل تناقضاته و مشكلاته و مواجهة ضغوطه و تحدياته؛ و ما من شك في أن الهدف المنشود من بحث موضوع هذا الملتقى المنعقد تحت لواء القرآن الكريم ليس مجرد تأكيد حقيقة معروفة، ألا و هي بيان ما للقرآن الكريم من فضل في صياغة الشخصية الجزائرية و إبرازها عبر الأجيال و العصور مشرقة وضاحة؛ كما أن الهدف ليس مجرد تعريف جيلنا الناشئ بأمجاد أسلافه المدينة كلها للقرآن و تربية القرآن!.

صحيح أن من حق هذا الجيل الناشئ أن يعتز و يفخر، بل و يزهو بتراثه و تأريخه و أمجاد تاريخه و يرفع رأسه عاليا، فليس قليلا أن يكون جزائريا؛ لكن الهدف المنشود من هذا الملتقى هو حمل هذا الجيل، لكي يكون خير خلف لخير سلف، شعاره أبدا قول الشاعر:

 

نبني كما كانت أوائلنا تبني و نفعل فوق ما فعلوا!

 

إن سلفنا الصالح مدينون للقرآن بما حققوا وصنعوا، فليعمل الخلف أيضا ما يدينون به لهذا القرآن إذاهم عنوا به حقا كما لوأنه عليهم أنزل، يجسدون في واقع حياتهم قيمه و مبادئه و آدابه؛ فالأمجاد كما نعلم جميعا مهما عظمت إنما تحيا بالتراكم الذي تصنعه الأجيال لا بالوراثة!.

 

آيتها السيدات الفضليات:

أيها السادة الأفاضل:

ألا إن الجزائر بخير إن شاء الله ما دامت متمسكة بكتاب ربها و سنة نبيه صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم، و تنشئ أجيالها على قيم الإسلام و مبادئه و آدابه؛ و هي اليوم - بعد أن تغلبت، بحمد الله، على أزمتها - أكثر ما تكون ثقة في نفسها، و قد علمتها تجربتها أن الأمم العظيمة ليست تلك التي لا تتعثر أبدا، و إنما الأمم العظيمة هي التي إذا تعثرت استمدت من عثرتها عوامل شحذ العزيمة و الهمة فتنهض في ثقة و تمضي في ثبات!.

و إني إذ أقدم شكري و امتناني إلى كل السادة الفضلاء الذين لبوا دعوتنــا

 

و الله أسأل أن بكلل أعمال هذا الملتقى بالنجاح ليحقق الأهداف المنشودة من تنظيمه.

 

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته