أنت هنا

حرمة الدم والمال و العرض

الخطبة الأولى:

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا إتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .أما بعد،

مـــعاشر المسلمين:

لقد جاء الإسلام الحنيف يأمر بالعدل وينهى عن الظلم قال تعالى: ((إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ))[النحل:90].هذا هو عماد وقوام النجاة،ولله ذر الشاعر حينما قال:

كُتبَ الموت على الخَلقِ فكمْ * * * فَـلَّ من جيشٍ وأفنى من دُوَلْ

أيـنَ نُمـرودُ وكنعانُ ومنْ * * * مَلَكَ الأرضَ وولَّـى وعَـزَلْ

أيـن عادٌ أين فرعونُ ومن * * * رفـعَ الأهرامَ مـن يسمعْ يَخَلْ

أينَ من سادوا وشادوا وبَنَوا * * * هَـلَكَ الكلُّ ولـم تُـغنِ القُلَلْ

أينَ أربابُ الحِجَى أهلُ النُّهى * * * أيـنَ أهـلُ العلمِ والقومُ الأوَلْ

سيُـعيـدُ الله كـلاً منـهمُ * * * وسيَـجزي فـاعلاً ما قد فَعَل

وقد أرشدت شريعتنا السمحاء للبر والتقوى والنهي عن الفحشاء والمنكر والعدوان قال تعالى:{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى ولا تعاونوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}المائدة2،يقول الإمام ابن كثير في تفسير الآية:يأمر الله تعالى

عباده المومنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر وترك المنكرات وهو التقوى وينهاهم عن التناصر على الباطل  والتعاون على

المآثم والمحارم )،وقال نبي العدل والرحمة صلى الله عليه وسلم :(انصر أخاك ظالما أو مظلوما  قيل يا رسول الله هذا نصرته

مظلوما فكيف انصره ظالما  قال :تحجزه  وتمنعه عن الظلم فذاك نصره ) رواه الترمذي،

-لقـد خلصت المقاصد الشرعية للإسلام،لحفظ المصالح ودرئ المفاسد والتقليل منها ودرئ المفاسد اولى من جلب المصالح،

يقول ابن القيم :"إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل الى الجور ومن الرحمة الى ضدها وعن المصلحة الى المفسدة وعن الحكمة الى العبث فليست

من الشريعة وان ادخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمة بين خلقه ".

وإذا علمنا هذا عباد الله فلماذا ندعو إلى خراب البلاد والعباد ولماذا ندعو الى الفتنة لعن الله من أيقظها،أمن أجل العصبية

الممقوتة؟ أم من أجل العنجهية الرعناء؟ أم من أجل المصالح الضيقة ؟أم من أجل الحرية العمياء؟ أمن أجل ذلك ندمر بلادنا

ووطننا؟أين الحكمة والعقل والرشاد؟ امن اجل رفع الظلم نظلم ونعتدي على الانفس والممتلكات والأعراض والدماء المعصومة؟

أمن أجل إنكار المنكر نقع في منكر أكبر منه؟ ليس العاقل من يفعل ذالك وصدق القائل :

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ** *   إن السفينة لا تجري على اليبس

-عباد الله :ان الاسلام وحده فقط الذي جاء لحفظ خمسة مقاصد وضروريات فاحفظوها .

1/حفظ الدين 2/حفظ النفس 3/ حفظ العقل  4/ حفظ المال 5/ حفظ النسل والعرض

فكل عاقل لا يراعي في تفكيره وسلوكه هذه المقاصد الخمسة فهو مستهتر يريد هدم الاسلام ويريد تخريب البلاد،و من أعظم هذه

المقاصد الضرورية حرمة الدم والمال والعرض

1/ حرمة الدم:قال تعالى: ((وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)) [النساء :93]. هذه الآية أمرها عجيب وعظيم حتى قال ابن عباس إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام ثم قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ولا توبة له) لماذا لان التوبة معلقة بدم المقتول ولا تتم إلا يوم القيامة.

وقال تعالى:{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} المائدة 32،وقال صلى الله عليه وسلم :(أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة الدماء ) رواه البخاري ومسلم ،وقال:( لايزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما ) رواه البخاري،فلا يحل قتل مسلمإلا بحق الإسلام وحكم القضاء ومن استحل دماء المسلمين فقد استحل امرا عظيما تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هذا، أتدرون جزاء من قتل نفسا متعمدا ؟ انه القصاص والعدل وان عفى أولياء المقتول  فالدية المغلظة التي تقدر بأكثر من 150من الابل قال تعالى:(وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً)،

2-أما حرمة المال : فالمال هو كل ما له قيمة والمال شقيق الانسان وقد يقتل الانسان دون ماله ولما كان المال عصب الحياة دعا الإسلام الى حفظه ومعاقبة من يتعدى عليه بالإتلاف والحرق والكسر والتخريب قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً ) النساء: [29-30].

وحرم الله السرقة وأمر بقطع يد السارق وأقام حد الحرابة على قطاع الطريق وحرم الله الربا لأنه ظلم للفقراء وحرم الغش والغرر في البيع والشراء وحرم الرشوة ولعن الله الراشي والمرتش والرائش بينهما ونهى الشرع عن المكاسب المحرمة من غصب الأموال وإتلافها والاختلاس والغش والتحايل وبيع المحرمات من خمر ومخدرات وحرم الميسر ...الى غير ذالك من المعاملات المحرمة وقال صلى الله عليه وسلم( إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه)  وقال :من اخذ أموال الناس يريد أدائها أداها الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله )رواه البخاري وقال :(من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد اوجب الله له النار وحرم عليه الجنة وان كان عود اراك )رواه مسلم،للأسف الشديد صرنا لا نبالي بأموال الناس تنهب و تسرق وتحرق أمام  مرأى الناس وصدق الله إذ قال :((يـخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ))[الحشر:2].

فهل من معتبر؟ .....فهل من عاقل........؟

فاللهم احقن دماء المسلمين واجبر كسرهم واجمع شملهم،أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم .

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد: فيا أيها المؤمنون:

3 /أما حرمة العرض :فالعرض مصون في الاسلام وعزيز القدر فالعرض موقع الذم والمدح في الانسان....  فحفظ الله الأعراض من المساس وحد عقوبة رادعة لمن يلعب بإعراض الناس ويتهم الناس في اعراضهم يقول تعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ))[النور:4].

ومن مساوئ الأخلاق عباد الله  نقل الاشاعة المغرضة ونقل الكلام والقيل والقال قال صلى لله عليه وسلم: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب" (متفق عليه) وقال كذالك:"إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال" رواه البخاري ومسلم،وعند كثرة الفتن و اشتعالها لابد من المخرج . فعَنْ  أَبِي أُمَامَةَ  قَالَ: قَالَ  عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ،مَا النَّجَاةُ ؟ قَالَ:" أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ ، وَابْكِ مِنْ ذِكْرِ خَطِيئَتِكَ " رواه احمد.

ياشباب الإسلام في ربوع الوطن:

الأصل في دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم الحرمة  فلا يجوز بحال من الاحوال التأول في انتهاكها واصطلامها فكل مسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله ولا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع خطبة تكتب بماء الذهب قال : أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مِنِّي أُبَيِّنْ لَكُمْ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي مَوْقِفِي هَذَا. أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا. أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ.

ياشباب الإسلام في ربوع هذا الوطن:

لقد تعرض وطننا عبر تاريخه، إلى محن كثيرة، أعظمها فتنة الاستعمار الفرنسي، وما ارتكب في حقنا من ظلم وتعسـف واضطهاد، وما ذكرى مجازر ماي ببعيدة، إذ راح ضحيتها أرواح أبرياء زادت على عن خمسة وأربعون ألف شهيــد،ولم يفت ذلك في عضد الأمة وما نعم الحرية والاستقلال والأمن والرخاء والاستقرار إلا ثمرة من ثـمار تضحيـات أولئك المخلصين، فحري بالأبناء والأحفاد أن يحافظوا على ميراث الآباء والأجداد، وأن يسيروا على الدرب وأن يـشكروا هـذه النعم بكل ما أوتوا من قوة وأن يقفوا صفا أمام كل من تسول له نفسه المساس بأمن هذا الوطن،  واستقراره.

ولقد أظهر أبناؤنا وشبابنا والحمد لله نضجا ووعيا يحمدون عليهما، في مختلف الفتن التي كادت تعصف بأمتنا ووحدتنا، لولا لطف الله تعالى ثم ما أبداه المخلصون من حكمة وترو وتعقل وسعي في سبيل إفشال مخططات المغرضين من أعداء الأمة.

فشكر الله جهود شبابنا، وبارك في أعمالهم وخطواتهم، وجعلهم هداة صالحين مصلحين، ونفع بهم الأمة وجعلهم ذخرا لها في الدارين.

وحري بالمؤمن الحصيف في مثل هذه الأحوال أن يحسن التعامل معها ويستفيد منها حتى يجعل من المحنة منحة، ومن العسر يسرا، وذلك بمراجعة النفس والتوبة إلى الله تعالى، ولــزوم الاعتدال والسكينة والتروي، والحذر من الشائعات، ونبـذ التعصب والظلم، وتعظيم حرمات المسلمين، وتعهد الأبناء بالنصح والإرشاد، والسمع والطاعة للمخلصين وأوليالأمــــر، والتضرع إلى الله تعالى بالدعاء الخالص لإصلاح الحال والمآل، وتمتين أواصر الأخوة والمحبة بين المسلمين، وحسن التواصل والتواصي بالحق والصبر كما قال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ قالوا: بلي يارسول الله :قال أفشوا السلام بينكم" فتوبوا إلى الله وتحللوا قبل ان يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال وإنما الحسنات والسيئات والله نسال ان يجنب بلدنا الفتن ما ظهر منه وما بطن فاللهم ألف على الخير قلوبنا واجمع كلمتنا ووحد صفوفنا وأصلح ذات بيننا...................