أنت هنا

بمناسبة 8 ماي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الحميد الودود، ذي الكرم والإحسان والجود، أحمده سبحانه وتعالى حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ندخرها ليوم الوعيد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بعثه الله تعالى مبشرا بالرحمة، منذرا باليوم الموعود، محذرا أمته من النار ذات الوقود، التي أعدها الله لكل كفار جحود، عتل جبار في الأرض عدو للإسلام حقود، مناع للخير مخلف للوعود، ظلوم جهول قد أمعن في الصدود، فصل اللهم وسلم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وسلمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

ألا واتقوا الله عباد الله وراقبوه في السر والعلن، وفي المنشط والمكره، وفي المغنم والمغرم، وفي العسر واليسر، واذكروا رحمكم الله ذلك اليوم المشهود، الذي طغى فيه المستدمر الغاشم طغيانا جاوز به كل الحدود، فقتل آباءنا وأجدادنا وأمهاتنا كما قُتِّلَ أصحاب الأخدود، وما نقموا منهم إلا أن قالوا ربنا الله، ونريد منكم أرضنا أرض التضحية والصمود، وفاء منكم بما قطعتموه لنا من وعود.

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، ألا وإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وبعد:

فقد قال الله تعالى في محكم التبيان: ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم و لاهم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين).

أيها المؤمنون الصادقون: إن الله كتب الابتلاء على أمة محمد ×، لأنها أهل للاجتباء والاصطفاء، وهي سنة الله في خلقه للتمحيص والانتقاء، (إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط).

إن أمتنا أمةُ البطولة والتضحية، لأنها سليلة الأبطال والعظماء، وحفيدة الرجال والشهداء، قدوتها سيد المرسلين والأنبياء، محمد عليه أزكى الصلاة والسلام في الأرض وفي السماء.

لقد عاشت أمتنا على مر العصور مرفوعة الرأس، عالية الهامة، لا تقبل الذل والخنوع، وتأبى أن تخضع للدخيل الطامع الجشوع، ولن ترضى إلا بالخضوع لله رب العالمين بالسجود والركوع، عيش في كبرياء أو موت في شموخ وإباء.

وسلوا التاريخ ينبئكم عن مصير الغزاة من قبل الرومان إلى عهد الاستدمار الفرنسي الغاشم الذي خرج مدحورا منكوسا قد مُرِّغ أنفه بالتراب.

أمة الإسلام: إن أمتنا تجرعت الويلات على مدى قرن وثلاثين سنة على يد الغزاة الصليبيين، لقد تنكروا لأيادينا البيضاء، التي مُدَّت لهم في يوم ضائقتهم وحاجتهم، فقابلوا إحساننا بالإساءة، وكرمنا بالإهانة، أحييناهم فأماتونا، وصِلْناهم فقطعونا، وشاركناهم حربا لا ناقة لنا فيها ولا جمل، فحررناهم فما وفوا لنا عهودنا، وتنكروا لجميلنا، قتلوا أحياءنا، ونكلوا بموتانا، ضاربين بالمبادئ والقيم والعهود والمواثيق عرض الحائط، فأية إنسانية يتغنون بها؟، وأي مبادئ يَشْدُون بها؟.

إن أحداث أوائل شهر مايو من العام 1945، لشاهدة على بعض الظلم الذي سلط على أمتنا، وكانت خاتمة هذه الأحداث الدامية الجسيمة: مجازر الثامن منها في عدة مناطق من بلادنا الشهيدة، الشاهدة على قبح جرائم الاستعمار، سلوا ولايات الشرق الجزائري:  سطيف وقالمة وخراطة، سلوا مدينة الجزائر، سلوا مناطق عدة من ربوع الوطن المفدى.

لقد زف وطننا المفدى في تلك الأيام القليلة أزيد من 45 ألف شهيد إلى جنات الخلود، مع النبيين الشهود، والركع السجود، فهنيئا لهم الشهادة.

أمة التضحية: لم يكن لشهداء الثامن ماي من ذنب إلا أنهم قالوا ربنا الله، ورسولنا محمد بن عبد الله ×، وديننا الإسلام، ووطننا الجزائر، ولن نرضى بالذلة والمهانة، وفوا لنا عهودنا، وحررونا من عبوديتنا، فنحن أمة لا ترضى بالعبودية إلا لله جل وعلا.

نحن شعب كنا رجالا أبطالا قبل الإسلام، ولا نقبل الدخيل المعتدي، فكيف نرضى بذلك بعد أن أعزنا الله بالإسلام؟.

كانت هذه صيحة أبطال وشهداء تلك الأيام الدامية، فرحم الله من ضحى لأجل هذا الوطن، وحفظ منهم من بقي وفيا للعهد، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله الحليم العظيم لي ولكم، ويا فوز المستغفرين أستغفر الله.

الحمد لله وكفى، والصلاة على النبي المصطفى، ومن بآثاره اقتفى، وبعهد الله وفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد:

أمة التضحية والفداء: لقد علمتنا أحداث الأيام الأول من شهر ماي من العام 1945، أن المستدمر الكافر لا عهود له ولا مواثيق، وأن الكذب والخيانة والغدر من أخص سماته، وأوثق خصاله.

فأية حضارة يتغنون بها إذا كانت مبنية على الغدر والطعن في الظهر، ما أخس وأقبح وأشنع الغدر وخلف الوعد فيكم.

إذا قلت في شئ (نعم) فأتمه       فإن (نعم) دين على الحر واجب

وإلا فقل (لا) تسترح وترح بها     لئلا يقـــول النــاس إنــك كاذب

لئن جمعت الآفات فالبخل شرها    وشر من البخل المواعيد والمطل

ولا خير في وعد إذا كان كاذبا      ولا خير في قول إذا لم يكن فعل

ولئن كان الغدر شيمتكم والخلف جبلتكم، فأمتنا هي أمة الوفاء بالعقود، وإتمام الوعود، لأنها عقلت قوله تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها)، وقوله تعالى: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا)، فالوفاء من شيم النفوس الشريفة والأخلاق الكريمة والخلال الحميدة، يعظم صاحبه في العيون، وتصدق فيه خطرات الظنون.

لقد علمتنا الأحداث أن ما أخذ واستلب بالقوة، فلن يسترجع إلا بالقوة، فالحديد لا يفله إلا الحديد.

لقد علمتنا الأحداث أنه لا-ولن- يضيع حق وراءه طالب، فحق الحرية واسترداد الكرامة والعيش في إباء، حق مكفول للإنسان والشعوب والأمم.

لقد علمتنا الأحداث أن العزم والإرادة والتشبث بتربة الأرض هو السبيل الوحيد لاسترداد السيادة والحرية.

لقد علمتنا الأحداث أن الجزائريين بمختلف انتماءاتهم ومشاربهم ولهجاتهم وألوانهم وعاداتهم أمة واحدة، يد على من سواهم، متراحمون فيما بينهم، يصدق فيهم وصف الباري جل وعلا لصحابة رسول الله ×: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم).

أمة الإسلام: لم يخيب الله رجاء هذه الأمة، ولم يضيع تضحياتها سدى، واسترجعت الجزائر حريتها، وأطلت شمسها بعد طول أفول، وأصبح فداؤنا مضرب الأمثال في سماء العالمين، فلله الحمد والمنة أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، واشكروا هذه النعمة، وحافظوا عليها بنشر معاني الحب والإخاء والرحمة والعدل والمساواة بينكم، والله شهيد عليكم.

(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا، إن الله يعلم ما تفعلون).

عباد الله: إني داع فأمنوا.

وكتبه الدكتور عماد بن عامر-خطيب الجامع الكبير بالعاصمة- بمناسبة أحداث الثامن ماي 1945.