أنت هنا

بمناسبة التوقيع على ميثاق بريان

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:
 الحمد لله  شرح قلوب من شاء من عباده بالإسلام، وألف بينهم بالإيمان، فكانوا إخوة في الله تعالى : ((و اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءا فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا)) (آل عمران 103) نحمده على ما هدانا، ونشكره على ما أعطانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمتنّ على رسوله عليه الصلاة والسلام بإزالة الشحناء من قلوب أصحابه، وملئها محبة ومودة ووئاما: ((وألّف  بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم إنّه عزيز حكيم)) (الأنفال63) وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أمر بالإصلاح بين الناس ، ودعا إليه، ورغّب فيه، وبيّن ما رتّب عليه عظيم من الأجر والثواب حتىّ أخبر عليه الصلاة والسلام أن السّعي في إصلاح ذات البين أفضل من نوافل الصّلاة والصدقة والصّيام، صلّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعه إلى يوم الدين.
 فيا أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى : ((وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين)) (سورة الأنفال 1) .
 معاشر المسلمين : كثيراً ما يكون بين الناس منازعات وخصومات، وذلك نتيجة لاختلاف الأهواء  والرغبات والاتجاهات، ومن ثمّ فإن المنازعات والخصومات تسبب البغضاء والعدوان وتفرق بين    المسلمين و القرابات ، ومطلوب منّا أن نسعى إلى الإصـلاح بكل الوسائـل والإمكانات، قال الله تعالى:  (( إنمــا المؤمنــون إخــوةٌ فأصلحـوا بين أخويكـم واتقـوا الله لعلكم ترحمون) (سورة الحجرات 10).
 أيها المسلمون : لقد أرسل الله تعالى نبيّه محمدا صلى الله عليه وسلم  رحمة للعالمين، ليجمع على الإيمان قلوب المؤمنين، ويزيل من قلوبهم كلّ أسباب الشّحناء، ويطهّر نفوسهم من كلّ أسباب البغضاء، ليكونوا  إخوانا متحابّين، فإذا وجد بين بعضهم خصومة وشحناء ونزاع وبغضاء، أُمِروا أن يتقوا الله، وأن يُصلحوا ذات بينهم، وعلى المسلمين أن يسعوا في الإصلاح ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه  إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : " ردّ الخصوم حتى يصطلحوا فإنّ فصل القضاء يُورِّثَ بينهم الضغائن"1.
 وقد قال الله تعالى : (( وأصلحوا ذات بينكم))، أي أصلحوا ما بينكم من أحوال الشّقاق والافتراق حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفّاق، وليكون المسلمان المتشاحنان متعرِضين لمغفرة الله والجنة، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه  أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تفتح أبواب الجنّة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكلّ عبد لا يشرك بالله شيئا إلاّ رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال:" أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتّى يصطلحا"2.
 إنّ الإسلام أيها المؤمنون: جاء بإصلاح ذات البين، وأوصَد الطرق المؤدية إلى فسادها، وأمر المسلمين بالإصلاح بين المتخاصمين، كما حثّ المتخاصمين على قبول مبادرات إصلاح ذات البين، وفضّ النزاع والشّقاق، وإنهاء القطيعة.
 أيها المسلمون: لقد اهتمّ الإسلام بإصلاح ذات البين حفاظا على وحدة المسلمين، وسلامة قلوبهم، وإنّ الإصلاح يعتبر من أعظم وأجلّ الطّاعات، وأفضل الصّدقات، فالمصلح بين الناس له أجر عظيم، وثواب كريم، إذا كان يبتغي بذلك مرضاة الله تعالى، فأجره يفوق ما يناله الصّائم والقائم، المشتغِل بخاصة نفسه، فعن أبي الدرداء  رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، قالوا: بلى، قال : إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة"3، ومعنى الحالقة: أي تحلِق الدِّين.
 أيها المسلمون : إنّ الله تعالى أباح النّجوى في الإصلاح بين الناس لأهمية الإصلاح قال الله تعالى ((لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين النّاس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيمًا)) (النساء:114).
 أيها المسلمون: لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة، فلقد كان صلى الله عليه وسلم يسعى بنفسه للصلح بين المتشاحنين مؤكِدًا بذلك أهمية الإصلاح بين الإخوة المؤمنين، ووقعت خصومة بين حيّين من الأنصار فسعى النبي صلى الله عليه وسلم للصلح بينهما؛ كما روى سهلُ بن سعيد رضي الله عنه : أنّ أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: "اذهبوا بنا نصلح بينهم " رواه البخاري.
 أسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصالحين المصلحين، وأن يوفقنا لحسن العمل وصالح الأخلاق، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
 الخطبة الثانية:
 الحمد لله  الذي بيّن سبل الفلاح  ، ورتّب  الرحمة  على التقوى  و الإصلاح ، وأشهد  أن لا إله  إلا الله  و حده  لا شريك  له سبحانه  وبحمده  بالغدو  و الرواح  والمساء والصباح، وأشهد أن محمدا عبده  و رسوله  ، جعله الله أسوة  في الصلاح و الإصلاح  ، صلى الله عليه  و على  آله  وأصحابه الذين  سعدوا  بالفلاح و النجاح، وعلى  من اتبعهم  بإحسان  إلى  يوم الدين  و سلم تسليما.
أما بعد: فيا أيها المسلمون : اتقوا  الله تعالى ، و أطيـبـوا قلوبكم  على  إخوانكم  ولِيّنوا لهم ، واحذروا  الخصومة  و الشحناء  فإنها الحالقة التي تحلق  الدِّين .
أيها  المؤمنون : إن أطيب  حياة  يعيشها  المؤمن والمؤمنة في هذه الدنيا، هي حينما يكون  مراقبا لله، حسن  الطوِيَّة  لعباد  الله -  فاحذر أيها المسلم – أسباب  الشحناء  والبغضاء، وإذا  جاء  إليك  أخوك  معتذرا  فاقبل  معذرته  بِبِشر و طلاقه ، بل ينبغي  أن تسعى  أنت  إلى  إنهاء  الشحناء،  و إن كان  لك  الحق ، قال  عمر رضي الله عنه :" أعقل الناس  أعذرهم  لهم" ، وقال الحسن  بن علي  رضي الله عنهما : "لو أن رجلا  شتمني في أذني  هذه  واعتذر  إليّ في أذني  الأخرى  لقبلت عذره" .
أيها المؤمنون :  تعيش  هذه الأيام  بلدتنا  الطيّبة  بريّان  على وقع التحضيرات الحثيثة  لتوقيع  ميثاق  بريّان  للتّعايش،  الذي نرجو من  الله  أن يكـون  خطوة  جبّـارة  في سبيـل  عودة  الأمن  و الطّمأنينة  للبلاد  و العباد .
أيها المؤمنون : إن  أعظم النّعم  بعد الإيمان العافية والأمن . والأمن  هو طمأنينة  القلب وسكينة و راحة وهدوء، فلا يخاف الإنسان على الدين، ولا على  النفـس  ولا علـى العرض، ولا  على المال، ولا على العقل.
والأمن والطمأنينة أصل من أصول الحياة البشرية، لا تزدهِر الحياة ولا تنمو بغير الأمن والطمأنينة. فما قيمة المال إذا فقد الأمن والطمأنينة؟ ما طيب العيش إذا انعدم الأمن والطمأنينة؟ كيف  تنتعش  مناشط  الحياة  بدون  الأمن  والطمأنينة؟
بالأمن  تعمّر  المساجد،  و تُقام الصلوات، وتحفظ الأعراض، وتُؤمن  السبل، وينشر الخير، وبالأمن تنبسط الآمال، وتطمئن النفوس على عواقب السعي والعمل ، وتتعدد  أنشطة  البشر النافعة، ويتبادلون المصالح والمنافع ، وتكثر الأعمال المتنوعة التي يحتاج إليها الناس في حياتهم، وتدر الخيرات  والبركات، وتأمن السبل، وتتسع التجارات، وتُشاد المصانع، ويزيد الحرث والنسل، وتُحقن الدِّماء، وتُحفظ الأموال والحقوق، وتتيسّر الأرزاق، ويعظُم العمران، وتسعد وتبتهج الحياة في جميع مجالاتها.
إن التفريط في أمن المجتمع تدمير له ولمكتسباته ودعائمه، لذا يجب علينا جميعا  أن نسعى للحفاظ على هذا الأمن بسد  الثغرات التي يمكن أن تُحدث شرخا في المجتمع أو تجعل جسده مثقلا بالجراح ، فيشغل بردمها عن دوره ورسالته وبناء مجتمعه وأمّته.
 وقد بين القرآن الكريم أن سمة المنافقين زعزعة أمن المجتمع والإفساد فيه وإشاعة الفتنة بدعوى الإصلاح قال الله تعالى: ((و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض  قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون  ولكن  لا يشعرون )) ( البقرة  11- 12).
إذا تفيّأ المجتمع ضِلال الأمن وذاق طُعم الطّاعة ، يكون النوم سباتا، والطّعام هنيئا والشراب مريئا،  فالأمن مطلب أساسي لجميع الناس ، خاصة في المجتمعات المسلمة التي تتمتع بالإيمان، إذ لا أمن بلا إيمان، وقد قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: " من أصبح  منكم آمنا في سربه  معافى في بدنه عنده قوت  يومه فكأنما حِيزت له الدنيا ".
عباد الله ، إن  أعداء هذا  المجتمع  لا يألون  في الفساد والإفساد، فهم في عمل دؤوب  لزرع روح التباغض  بين المسلمين، وبذر أسباب التدابر بين المؤمنين. وإن الواجب على المسلمين وقد أصل  لهم دينُهم طرق الخيرات وأسباب الفلاح والمسرّات أن  يثبتوا  على وصايا  هذا الدين كالجبال  الرّاسيات، وأن يلزموا أنفسهم بتلك التوجيهات المباركات،  ويحذروا المخذّلين والمشكّكين، قال الله تعالى: (( يا أيها  الذين  آمنوا  ادخلوا  في السلم  كافة  و لا تتبعوا  خطوات  الشيطان  إنه  لكم   عدوّ  مبين )) (البقرة  208).
هذا ..  وصلوا  وسلّموا  رحمكم  الله  على الرحمة المهداة  والنِّعمة  المسداة نبيّكم  محمد  بن عبد الله  كما  أمركم  بذلك  ربكم ، فقال  تعالى  قولا  كريما:
((إن  الله و ملائكته يصلون  على النبي  يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما))  اللهم  صل  وسلم  على  سيدنا  محمد  وعلى  آله  وصحبه.
اللهم  أعز  الإسلام  والمسلمين، واحم  حوزة  الدِّين، واجعل هذا  البلد آمنا مطمئنا  وسائر  بلاد المسلمين الله آمنا في أوطاننا، واستر عوراتنا، واغفر حوباتنا، واجعل  ولايتنا فيمن اتقاك.