أنت هنا

اليوم الوطني للطالب

الخطبة الأولى :

 

الحمد لله رب العالمين والعاقبة الحسنى لعباده المتقين ولا عدوان إلا على الظالمين , وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الخلق أجمعين الذي كلفه ربه وأمره بقوله : "وقل رب زدني علما" ، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ..وبعد،

معاشر المسلمين وأيها الجمع الكريم : لا يُعرف دين مثل الإسلام ولايوجد كتاب مثل القرآن الكريم، ولا يذكر نبي مثل محمد صلى الله عليه وسلم قد اهتموا بالعلم وأشادوا به،وحثُّوا عليه،ورغَّبوا في طلبه ونوَّهوا بمكانته،وأعلوا من قدره وبيَّنوا أثره في الدنيا والآخرة دون غيرهم ,وحسبنا أن أول آيات نزلت من الوحي الإلهي على قلب محمد صلى الله عليه وسلم أشارت إلى فضل العلم،فأمرت بالقراءة،وهي مفتاحه ونوَّهت بالقلم وهو أداته، فقال تعالى: " إقرأ بسم ربك الذي خلق, خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علَّم بالقلم, علَّم الإنسان ما لم يعلم" (العلق: 1-5) ومن أوائل مانزل كذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: " ن والقلم وما يسطرون"(القلم:1) فأقسم بالقلم, والقسم به يدل على أهميته،إذ لا يقسم الله تعالى بشيء إلا ليلفت الأنظار إلى قيمته ومكانته، وإذا كان الناس قد استووا في الخلق فقال : "الذي خلق ، خلق الإنسان من علق" فإن أول ما قرع آذانهم في العهد المكي هذا التميز في المكانة بسبب العلم فقال تعالى." ...قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون..." (الزمر: 09)، فلا يستوي الأعمى والبصير, ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، ولا الأحياء و لا الأموات.

وقد قال الإمام الشافعي – عليه رحمة الله.

تعلَّم فليس المرء يولد عالمـا * وليس أخو علم كمن هو جاهل.

وإن كبير القوم لا علم عنده * صغيرا إذا التفَّت عليه الجحافل.

وإن صغير القوم إن كان عالما* كبيرا إذا رُدَّت إليــه المحافل.

إذا كان القرآن الكريم قد احتفل بموضوع العلم إحتفالا كبيرا، فقد تكرر خطاب" تعلمون" 56 مرة، بالإضافة إلى 03 مرات بصيغة "فستعلمون، كما جاء بصيغة "تعلموا" 09 مرات، وبصيغة " يعلمون" 85 مرة، وبصيغة " يعلموا" 7 مرات،تكرر الفعل "علم" وما يشتق منه،وما يتعلق به 47 مرة كما تكررت صغة "عليم" مُعرَّفة ونكرة 140 مرة، وكلمة "علم" مُعرَّفة ونكرة 80 مرة وهذه الصِّيغ كلُّها تبين وتؤكد على فضل العلم وبالغ أهميته في نظر القرآن الكريم.

إلا أنه لابد أن ننبِّه إلى حقيقة كثيرا ما نغفل عنها،وهي أننا نعتقد أن هذا العلم الذي يحتفل به القرآن الكريم هو ما يسمى: "العلوم الشرعية" و المتمثلة في التفسير والحديث،والسيرة والعقيدة والفقه.. وغيرها، وهذا الإعتقاد باطل وتصوُّر فاسد، فإننا إذا تتبعنا مواضع العلم فيه لوجدناه يتحدث عن الكثير من التخصصات العلمية التي تسمى تجاوزا العلوم الدنيوية أو العلوم الكونية والطبيعية. ويعتقد البعض أنها علوم وتخصصات لا فائدة منها،ولا طائل من تعلمها، والتخصص فيها، وهذا جهل بموضوع العلم، وعناية القرآن الكريم به.

فعندما ينبِّهنا القرآن الكريم إلى علم الفلك وعلم الحساب (الرياضيات) يقول الله تعالى: "هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا، وقدَّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، ما خلق الله ذلك إلا بالحق، يفصِّل الآيات لقوم يعملون " (يونس:5). وعندما يحدِّثنا عن الظواهر الفيزيائية كظاهرة الإنحلال الضوئي (الشفق الأحمر ) وظاهرة الإنعكاس الضوئي (نورالقمرمن ضوء الشمس) وظاهرة الإمتصاص الضوئي (ظلمة الليل) يقول الله تعالى: " فلا أقسم بالشفق،والليل وما وسق،والقمر إذا اتسق" (الإنشقاق:16-17-18)، وعندما يحدِّثنا عن ظواهر كيميائية كظاهرة التركيب الضوئي عندما يجتمع ضوء الشمس مع يخضور النبات الذي يمتص الماء فيتحول في تفاعلات كيميائية إلى مركبات عضوية قابلة للإشتعال يقول الله تعالى: "الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون" (يس: 80) . وعندما يحدثنا عن علم الزراعة والنبات المختلف ألوانه،علم الجيولوجيا وأنواع التربة واختلاف ألوانها،وعن علم الإنسان (الإنثربولوجيا)،وعلم الحيوان،واختلاف ألوانها كذلك يقول الله تعالى: " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها و غرابيب سود، ومن الناس و الدواب و الأنعام مختلف ألوانه كذلك ..." ثم ختم الله هذه التخصصات العلمية بقوله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء، إن الله عزيز غفور" (فاطر: 27، 28).

وعندما يحدثنا القرآن الكريم عن علم الصناعات الحديدية والحربية يقول الله تعالى عن هذا التخصص العلمي الذي أنفرد به نبي من أنبيائه في زمانه وهو داود عليه السلام، فقال : " وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون " (الأنبياء :80 ) . وعندما يحدثنا عن علم نطق الحيوان والذي برع فيه آل داوود عليهم السلام قال: " وورث سليمان داوود ، وقال ياأيها الناس عُلِّمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين" (النمل:16) ، وعندما يحدثنا القرآن الكريم عن الثقافة العامة، والمعرفة بمسمَّيات الأشياء يقول الله تعالى عن آدم عليه السلام:" وعلَّم آدم الأسماء كلَّها ..." (البقرة:31), وعندما يحدثنا عن ضرورة الإنتباه إلى علم اللغات الأجنبية المختلفة وأنها آية من آياته الدالة عليه عبر عنها باختلاف الألسنة فقال تعالى: " ومن آياته خلق السموات و الأرض و اختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالِمين" (الروم:22) .

 

أيها الإخوة المؤمنون:

من كلِّ ما سبق يجب أن ننتبه إلى مدى علاقتنا بالعلم، وحقيقة هذا الإرتباط الأزلي بيننا وبينه, فقد يعتقد البعض أن هذا العلم مرتبط بمكان أو زمان أو إنسان، والحقيقة الشرعية تدفعنا إلى أن نقول بملء أفواهنا أنه لا معنى لوجود الإنسان ولا قيمة له في هذا الوجود إلا إذا أدرك وتيقن بأن هذا العلم هو:

1/ أول عبادة و فريضة كُلِّفنا بها، وتشرفنا بالقرب من الله تعالى عن طريقها، فهي أول  أمر إلهي خوطب به الإنسان بشريعة الله الخاتمة فقال تعالى:" إقرأ ..." على سبيل الإلزام والحتم لا على سبيل الإختيار و التطوع.

2/ وأنَّ هذا العلم يسبق الإيمان والعقيدة كما يسبق العبادة والعمل، وبدونه لا يستقم إيمان ولا عمل فقال تعالى:

"فاعلم أنه لا إله إلا الله، واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات... " (محمد: 19)

3/ وأنَّ هذا العلم مطلوب لذاته، لمِاَ يملكه من الشرف في نفسه، فهو لا يستورد القيمة من الشهادة العلمية، لا من الوظيفة العملية ولا من المكانة الاجتماعية له، وإن كان كل ذلك غرض وقصد شرعي نبيل، إلا أن العلم يطلب لأنه هو العلم، ويكفي الإنسان فخرا ودرجة يُرفع بها بسببه قال تعالى: " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" (الزمر:09) وقال " يرفع الله الذين آمنوا منكم،والذين أوتوا العلم درجات ... " (المجادلة :11) .

4/ وأنَّ هذا العلم غير مرتبط بمكان يطلب فيه دون سواه وإنما كما قيل :" أطلبوا العلم ولو في الصين" . فأرض الله كلُّها محرابٌ لطلب العلم، فقال تعالى : «قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق..» (العنكبوت:20)، وهذا السير وهذا النظر هو النظر العلمي المنهجي المتخصص.

5/كما أن هذا العلم غير مرتبط بزمان، ولا بمرحلة دراسية ينتهي عندها، ويتوقف فيها، وإنما كما قيل في الحكمة:«اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد». وما دام للإنسان نَفَس وقلب ينبض فلابد أن يردِّد دائما قول ربِّ الخلق على لسان حبيب الحق : «...وقل ربِّ زدني علما»(طه :114).

6/ كما أن هذا العلم غير مرتبط بعالِم واحد أو بإنسان نأخذ العلم عنه بذاته بالنظر إلى دينه أو ثقافته أو لغته، وإنما نأخذ هذا العلم الذي لا جنسية له من أي إنسان كان كما قال صلى الله عليه وسلم : «الحكمةُ ضالَّة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها».

كما أن هذا العلم يعطي لصاحبه شرفٌ وقيمة و أنه من خرج في طلبه فهو في سبيل الله، وهو في مرضاة الله، وهو طريق مختصر للجنة، تتفاعل معه أشرف الخلائق (الملائكة) رِضًا بما يصنع، حتى الحيتان في البحر.

فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «مَن سلك طريقا يبتغي فيه علما سهَّل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العمل رِضًا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) رواهُ أبُو داوُد والتِّرمذِيُّ.

نسأل الله أن يفقهنا في ديننا وأن يعلِّمنا ما ينفعنا  وأن ينفعنا بما علَّمنا وأن يزيدنا علما وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

 

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيِّه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ..

أيها الإخوة المؤمنون :

وإذا كانت هذه علاقتنا بالعلم العلاقة الأزلية التي لا تنفكُّ حياة الإنسان عنها لحظة واحدة، فلا بد لطالب العلم من آداب يجب مراعاتها والحرص عليها حتى يكتمل هذا الشرف بمصاحبة هذا العلم في هذه الحياة وهي :

1- إخلاص النية لله عز وجل : فليكن طَلبُنا للعلم لا نبتغي من ورائه إلا مرضاة الله تعالى بعيدا عن الإعجاب بالنفس والغرور بها والتطاول على غيرها، وبعيدا عن حبِّ الشُّهرة وطلب مدح الناس، وتصيُّد المكانة بينهم, فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه ثلاثة ... » وذكر منهم : «... ورجل تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فأُتِي به فعرَّفه نعمه فعَرَفها، قال فما عملت فيها ؟ قال : تعلَّمت العلم وعلَّمته وقرأت فيك القرآن قال: كذبت ولكن تعلَّمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار...»، وجاء فيما رواه ابن ماجه عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا تعلَّموا العلم لتباهوا به العلماء، أو لتماروا به السفهاء، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو في النار». وروى الدرامي في سننه عن مسروق قال : « كفى بالمرء علماً أن يخشى الله وكفى بالمرء جهلا أن يُعجب بعلمه».

2- التواضع في طلب العلم واحترام المعلِّم : وقد قال الشاعر يوما :

قُمْ للمعلم وَوفِّه التبجيل  *   كاد المعلم أن يكون رسولا

فقد ضرب لنا القرآن الكريم أمثلة لطلبة العلم في أخذهم له، وفي رحلتهم إليه، فقد قصَّ علينا قصة سيدنا موسى عليه السلام وهو أعلى مقاما وأفضل حالا من الرجل الصالح الخضرعليه السلام ومع ذلك قال له :« هل أتبعك على أن تعلمني مما عُلِّمت رشدا» (الكهف:66) وهذا الاستفهام والسؤال في غاية الأدب والتواضع والتلطُّف مع المعلم، وما توحي إليه كلمة "اتبعك" من السمع والطاعة، وإذا كان هذا العلم يحتاج إلى تحمل المشاق والصبر عليها، ومجاهدة النفس فيها فقد نبَّه الخضر عليه السلام إلى ذلك فقال : « إنك لن تستطيع معي صبرا» (الكهف: 67)، فردَّ عليه موسى عليه السلام بكل ثقة وتوكل على الله : « ستجدني إن شاء الله صابرا، ولا أعصي لك أمرا»(الكهف : 69).

ومن التواضع في العلم : الوقوف عند حدود ما يعلم، ولا يقف ما ليس له به علم، ولا يستنكف أن يقول : « لا أعلم»، ويردِّد دائما :« وقل ربي زدني علما». وقد سأل جبريل عليه السلام محمدا صلى الله عليه وسلم- مع علوِّ مقامه في العلم- عن الساعة فقال بكل تواضع: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل», ولم تتردَّد الملائكة أن تقول : « .. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا» وقد قال الله تعالى: «ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا» (الإسراء : 36).

3- ومن آداب طالب العلم : العمل بهذا العلم : وقد قيل : من عمل بما علم علمه الله ما لم يكن يعلم، حتى يكون هذا العلم حجة له لا حجة عليه، وحتى يجد لذلك السؤال يوم القيامة جوابا: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع.....» ومنها : «وعن علمه ماذا عمل فيه»، وقد جاء في الصحيحين عن أسامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يُجاء بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال : كنت آمركم بالمعروف ولا أتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه...».

ووبَّخ القرآن الكريم بني إسرائيل بقوله : «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون»

(البقرة :44)، وذمَّ أقواما خالفت أقوالُهم أفعالَهم فقال تعالى: « يا أيها الذين آمنوا لِما تقولون مالا تفعلون، كَبُر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» (الصف:2-3).

4- ومن آداب طالب العلم : نشر هذا العلم، وتبيانه للناس وعدم كتمانه : وهو من حقوق العلم على صاحبه، وهو زكاته، وهذا هو شأن الربَّانيين الذي قال فيهم الله تعالى :« ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب، وبما كنتم تدرسون» والرباني هو : العالِم، العامل ، المعلِّم .

ولذلك فإن الخيرية  ليست في تعلُّم القرآن الكريم فقط بل لا بد لها من شرطٍ ثانٍ وهو : تعليمه فقال صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه». وإذا كان يُحرم على الإنسان أن يقول ما لا يعلم فإنه يحرم عليه كذلك أن يكتم ما يعلم، قال الله تعالى : « إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البيِّنات والهدى من بعد ما بيَّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله،ويلعنهم اللاعنون» (البقرة:159).وجاء في سنن الترمذي وابن ماجة ومسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن سُئل عن علم علِمه ثم كتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار»، قال ابن حجر:«لأن تعلم العلم إنما يقصد لنشره ونفعه الناس، وبكتمه يزول ذلك الغرض الأكمل، فكان بعيدا ممن هو في صورة العلماء والحكماء...».

أيها الإخوة المؤمنون الأكارم:

إن هذا العلم لا ينفكُّ عن الآيات القرآنية المسطورة (كعلومٍ دينية)،كما لا ينفكُّ عن آيات الله الكونية المنظورة (كعلومٍ دنيوية)، ولا بد أن يسوق صاحبها إلى الله تعالى، فيزداد به إيمانا، ويرتقي في مدارج القرب منه أخلاقا, ولذلك كان للعلم ارتباطا بالإيمان، يوصل إلى ثمرته وهي الأخلاق.

- فالعلم والإيمان في الإسلام لا ينفصلان، ولا يوجد بينهما برزخ لا يبغيان، ولذا جمع القرآن الكريم وقرن بينهما في كثير من الآيات كقوله تعالى:« وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتــاب الله إلى يــوم البعـث...»(الروم: 56)، وقال: «.. يرفع الله الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات ..» (المجادلة: 11)، بل جعل الله تعالى الإيمان ثمرة للعلم، والعمل ثمرة للإيمان,فقال تعالى:« وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك، فيؤمنوا به، فتخبت له قلوبهم ..... » (الحج: 54 ) ولذلك لابد أن يهدينا هذا العلم إلى الإيمان، ويعرفنا قيمة القرآن، فنؤمن إيمانا علميا ويقينيا بما جاء به من الآيات المسطورة أو المنظورة فنتأثر به، قال الله تعالى: « ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق، ويهدي إلى صراط العزيز الحميد » (سبأ:6 ).

- كما أن هذا العلم لا بد أن يكون دليلا على الأخلاق والسلوك، وقد قال الشاعر:

ولا تحسبن العلم ينفع وحده     ما لم يُتوَّج ربُّه بخلاق

فقد كان العلم دائما يهدي إلى العمل الصالح، ويرشد إلى السلوك القويم، ويدل على الأخلاق السامية وقد اعتبر القرآن الكريم السلوك السيء-كالإستهزاء- جهلا حقيقيا, فلما قال موسى عليه السلام لقومه: « ... إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. قالوا أتتخذنا هزؤا. قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين »(البقرة:67). فالعلم ليس بكثرة المعارف الذهنية، ولا بقوة الإدراك العقلية ولابحشو المعلومات الذكية، ولكنه بالسلوك السويِّ، وبالخلق الزَّكيِّ. يقول الإمام الشافعي- عليه رحمة الله-:

إذا لم يزد علم الفتى قلبَه هدًى   وسيرته عدْلا وأخلاقه حُسنا.

فبشِّره أن الله أوْلاه نَقمــة         يُساء بها مثل الذي عَبَد الوَثنا.

ولذلك كانت المعاصي منافية للعلم، ومُذهبة لبركاته، ومتسبِّبة في ضعف تحصيله، فمحلُّ العقل هو القلب كما قال تعالى: «... لهم قلوب لا يفقهون بها ....» ( الأعراف: 179 )، والذنوب هي عدوة القلب، وقاتلة له كما قال الشاعر:

رأيت الذنوب تميت القلوب     وقد يورث الذلَّ إدمانُها

وترك الذنوب حياة القلوب      وخير لنفسك عصـيانها

ولمَّا وقع الإمام الشافعي في معصية النظر إلى  المحرمات اشتكى إلى شيخه  "وكيع" وأنشد يقول:

شكوت إلى وكيعٍ سوء حفظي      فأرشدني إلى ترك المعاصي.

فـــأيقنـت أنَّ العــلـــــم نــــور       ونور الله لا يهدى لعاصي .

نسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا وأن يستر عيوبنا وأن يتولى أمرنا وأن ييمن كتابنا  وأن ييسر حسابنا وأن يختمبالباقيات الصالحات أعمالنا . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

 

الإمام الأستاذ ناصر حمدادوش

الطاهير – جيجل .