أنت هنا

المصالحة الوطنية المنشودة

 

المصالحة مشتقة من الفعل (صلح) ويعني ضد فسد، وإذا كان الفساد حالة تطرأ على أصل الشيء فمعنى ذلك أن الصلاح هو الأصل.

يعني أن الشيء مثل الطعام أو الماء أو الهواء يكون صالحًا نقيًا طاهرًا فإذا طرأ عليه ما يغيره مثل تعفن الطعام وتغير الماء وتلوث الهواء قيل عن كل منها بأنه فسد، ولم يعد صالحًا أو فقد صلاحيته.
والشيء، إذا فسد فإما أنه يمكن إصلاحه أو لا يمكن ذلك. وإمكان إصلاح الشيء يتوقف على أمرين معًا أو أحدهما يتوقف على طبيعة الشيء الفاسد، وعلى شدة الحاجة إليه. فإذا كان الشيء الفاسد مما لا يقبل الإصلاح بطبيعته فمن العبث محاولة إصلاحه، وقد قال الحكيم العربي في الشيخوخة :
وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر !
أما إذا كان الشيء قابلا للإصلاح وكانت الحاجة إليه قائمة فمن غير المعقول عدم القيام بإصلاحه.
ومن الأمور المعرضة للفساد باستمرار، ولكنها قابلة للإصلاح كذلك باستمرار، والحاجة إلى إصلاحها قائمة كذلك باستمرار، العلاقات الاجتماعية.

هذه العلاقات التي تكون لحمة المجتمع وسداه في نفس الوقت. إذ أن الإنسان مدني بالطبع كما يقول ابن خلدون، أي كائن اجتماعي لا يعيش إلا داخل المجتمع.
والمجتمع لا يتشكل من الأفراد، وإنما يتشكل من العلاقات التي تربط الأفراد بعضهم ببعض. وكلما كانت هذه العلاقات مستقيمة واضحة كلما كان المجتمع في حالة من الصلاح تمكنه من التّقدم والازدهار.
ولكن إذا طرأ على هذه العلاقات الاجتماعية اضطراب وغموض بحيث تفقد استقامتها ووضوحها يطرأ عليها ما يمكن تسميته بالفساد ويصبح المجتمع فريسة للفوضى والانحراف. ويصبح معرضا للتفكك والدمار.
إن العلاقات الاجتماعية يُمكن تصورها في أشكال عديدة من الشبكات، مما يسهل علينا اختيار إحداها لعرض تصور يمكننا من إدراك هذه العلاقات إدراكًا موضوعيًا إلى حد ما.
والتصور المقصود هنا هو الشبكة المكونة من العلاقات التي تحدد لكل فرد في الجماعة مكانة يحتلها ودورًا يقوم به ويؤديه، وبعبارة أخرى فإن كل فرد في جماعته إنما يعين حسب الموقع الذي يحتله أو يقف فيه وحسب النشاط الذي يؤديه داخل الجماعة، وتكون العلاقات الاجتماعية مستقيمة واضحة عندما يلتزم كل فرد بحدود المكانة التي يحتلها وعندما يؤدي في نفس الوقت الدور المنُوط به.
وإذا كان هذا الوضع الأمثل يصدق على آلة ميكانيكية محكمة الصنع مثل جهاز الساعة أو محرك السيارة أو آلة الخياطة، فإن الأمر ليس كذلك داخل المجتمع، لأن الأفراد ذوي المكانة المتماثلة ليست لهم دوافع متماثلة هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن الأفراد الموكولة إليهم مهمات متماثلة لا يؤدونها بنفس الطريقة، وإنما يكون في الواقع أداء بعضهم أكبر وأفضل من أداء البعض الآخر.
ثم إن هذا التفاوت في مقدار الدوافع وفي كمية النشاط يتولد عنه تفاوت آخر في تقدير المكانات والأدوار بحيث يدرك أحدهم مكانته أكبر مما هي في الواقع ويقدر دوره حسب دوافعه فيرى أنه يؤديه بما يميزه عن أمثاله من أعضاء الجماعة .. وهكذا تفقد العلاقات الاجتماعية الاستقامة الأصلية والوضوح الأولي فتضطرب وتفسد، وتنبعث في المجتمع ظاهرة التسلط، يتسلط الأقوياء فيضاعفون من مكتسباتهم على حساب الضعفاء الذين يفقدون شيئا فشيئا مكانتهم و أدوارهم، ومن ثم تندثر حقوقهم. ويفقد المجتمع توازنه ويسوده الاضطراب.
هذه الظاهرة، ظاهرة فساد العلاقات الاجتماعية يسميها القرآن الكريم فسقًا، وعبر عنها صراحة في قوله تعالى : { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا}الإسراء 16.
وأحيانا يصفها بالظلم.
قال تعالى : { وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} القصص 59.
وبما أن العلاقات الاجتماعية من الأمور القابلة بطبيعتها للإصلاح متى توفرت شروطه، وبما أن الحاجة إلى إصلاح هذه العلاقات ضرورة يتوقف عليها ق

يام المجتمع واستمرار حياته إذن فلابد من العمل على إصلاحها.
وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بإقامة الصلح في الأسرة حيث قال : { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحًا، والصلح خير} النساء 128.
كما أمرنا بإقامة الصلح بين الجماعات المتصارعة أو المتقاتلة فقال تعالى : {و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} و قال :{ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } الحجرات 9 و 10.
ثم إن الصلح أو المصالحة هو من صيغ المفاعلة. أي يكون الفعل صادرًا من طرفين على الأقل وقد يكون الصلح بين عدة أطراف. ليس المهم عدد أطراف الصلح أو المصالحة، وإنما المهم أن تشارك الأطراف المعنية في إقامة الصلح. ولكي تشارك الأطراف المعنية يلزم أن تكون مدركة لما يجب أن تتخلى عنه من الحقوق التي كانت تدعيها كلها أو بعضها، هذه الحقوق التي من أجل المحافظة عليها أو استرجاعها دخلت في الصراع، ويجب أن تكون الأطراف الأخرى تعترف لها بهذه الحقوق كلها أو بعضها كذلك. فالصلح أو المصالحة معناها أن يدفع كل طرف شيئا مما عنده. فالذي لا يملك شيئا لا يمكن اعتباره طرفا في المصالحة، والذي لا يريد أن يتخلى عن شيء كذلك لا يمكن اعتباره طرفًا.
إن الدعوة إلى المصالحة والإقبال عليها معناهما أن هذا الطرف قد أدرك بأنه لا يمكن أن يحقق أمن المجتمع وسعادته بمفرده، وأنه لا مناص من مشاركة بقية الأطراف حتى نضمن للمجتمع أمنه وسعادته.
وهذا هو مضمون برنامج فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة، الذي أعلن أن الجزائر هي وطن كل الجزائريين وعليها أن تستوعب كل المواطنين على اختلاف نزعاتهم ومشاربهم.. لكن يبقى أن يعمل الجميع على تحديد مفهوم المصالحة الوطنية.
فهناك من يجعل مفهوم المصالحة الوطنية في الكف عن العنف والإخلاد إلى السلم.

وهناك من يرى أن التخلي على العنف لا يتم بدون مقابل، وإنما يجب أن يقوم على إعلان العفو الشامل، والإحجام عن متابعة المعتدين وأن تتكفل الدولة بتعويض جميع الخسائر المادية والبشرية التي عانتها الجزائر خلال سنوات الإرهاب.
بل هناك من يرى بأن العائدين من الجبال لا يكفي أن يشملهم العفو وإنما يجب أن يرد لهم الاعتبار وأن يعودوا مواطنين كاملي الحقوق كما لو كانوا لم يسيئوا لا إلى المواطنين ولا إلى الدولة ولا إلى الوطن، بل هناك من دعا إل أن يشمل هذا العفو حتى الحركى الذين سبق أن حاربوا في صفوف الجيش الاستعماري ضد الوطن.
هذه المفاهيم وغيرها تصب كلها في شعار " عفا الله عما سلف". من الأكيد أن هناك مفاهيم أخرى لا تتفق مع ما ذكرناه، وقد لا يتسع المجال لذكرها، باعتبار أنها مفاهيم تتعارض في معظمها مع فكرة المصالحة التي تعني كما أسلفنا التنازل عن بعض المكاسب المادية والمعنوية بهدف التوصل إلى تحقيق الأمن والسعادة للمجتمع.
ولكن لنفرض - جدلا - أن أصحاب هذه المفاهيم المناهضة تَخَلوا عن اعتراضهم وأن أصحاب المواقف السالفة قد اتفقوا على قبول آرائهم وتوافقوا على التنازل لبعضهم فما هي المصالحة التي يمكن أن تبنى على هذا التوافق.
إننا إذا طبقنا ذلك مفاده أن نعود إلى ما كنا عليه قبل الاختلاف والصراع. إن المصالحة بهذا المفهوم أشبه ما تكون بعرس تملأ فيه البطون وتطرب فيه الآذان، وتدوى فيه طلقات البارود ثم يعود كل مدعو من حيث أتى. إنها بهذا المعنى مصالحة متجهة إلى الماضي، غير عابئة بالمستقبل، إنها مصالحة تقف عند حدود المصافحة وسوف ينتهي مفعولها مجرد أن يسحب كل مصافح يده بعد اللقاء.
و هنا يجب أن نبحث عن مفهوم جديد للمصالحة يتجه نحو المستقبل ومنطلق هذا المفهوم هو أن يرجع فيه كل طرف إلى نفسه يحلل أفكاره ومواقفه، ويبحث عن أخطائه التي ساهمت في تشكيل الأزمة العنيفة التي مرت بها الجزائر، والتي عانى منها الشعب الجزائري الأمرين، وخسر فيها فلذات الأكباد وعوائد الاقتصاد، وقيم العباد.
فلو قدرنا أن كل فئة في المجتمع الجزائري أخذت مكانتها بعد الاستقلال مباشرة، وسارت في طريق بناء الدولة وبرنامج المجتمع الذي حددته أدبيات الثورة، و وضع كل طرف هدفا له أن يساعد الأطراف الأخرى على أداء مهامها والقيام بواجبها ... لو سارت الجزائر بهذه الطريقة لما وصلت إلى ما آلت إليه أوضاعها من التفكك والصراع. بل لكانت الجزائر اليو

م في طليعة الدول النامية إن لم نقل في صف الدول المتطورة، فالمسؤولية إذن تقع على الجميع.
وإذا كانت المصافحة وتبادل الابتسامات ترضي خاطرنا وتعمل على إسدال الستائر على أخطائنا فإن ذلك لن يجدي في المصالحة شيئا. بل قد يعرضنا في المستقبل القريب أو المتوسط إلى مشاكل أعقد من تلك التي هزت مجتمعنا من الأعماق وأغرقته في دوامة الفتنة والضياع.
إن المصالحة المفيدة البناءة تتمثل في أن يحلل كل طرف، مؤسسات وأفرادًا مواقفه وأخطاءه، وأن يقدر كل طرف مسؤوليته فيما تعرضت له الجزائر من أزمات ومشاكل، وأن يعلن طل طرف توبته مما تسبب فيه لبلده من مآسي وآلام، وأن يعقد العزم على الإقلاع، وعدم العودة إلى الطريق الذي سار فيه، وأن يقدم برنامج العمل الذي سوف يقوم به في المستقبل وما هي التضحيات التي سوف يقدمها تكفيرًا عن الأخطاء التي ارتكبها.
إن المصالحة الوطنية تعني برنامج عمل أو عهد شرف يتفق عليه الجميع ويلتزم فيه كل طرف بما يمكنه أن ينجز منه، ثم يقدم هذا البرنامج إلى الشعب الجزائري ليعطي رأيه فيه ليصبح عهدًا وطنيا مصونا لا يمكن خيانته ولا الانحراف عنه، وهكذا تصبح فكرة المصالحة فكرة بناء يقام، وجهد يبذل ومنهج يطبق، ونظرة هادفة إلى المستقبل تنفذ فيه بقوة تساوي قوة الإحساس بالتفريط الذي كان منا في الماضي، هذا التفريط الذي يكاد يصل حد الخيانة لو لا التأكد من صدق النوايا التي كانت تحدو بالفاعلين السياسيين والاجتماعيين. ولكن ماذا ينفع صدق المقاصد إذا كان جهل الطرق الصحيحة في العمل تغذيه الدوافع الذاتية يأتي بعكس المأمول.
إن إجماع الشعب الجزائري على تأييد الوئام المدني مؤشر قوي على تأييده التام لمشروع المصالحة الوطنية التي نرى أنها تعبر عن التزام تام نابع من الإحساس بالتفريط فيما مضى. وعزم صادق على تلافي العوامل التي ساقت المجتمع بكامله إلى ما تعرض له من تصدع كاد يؤدي به إلى الدمار.
ولا مناص من أن يقوم برنامج المصالحة على أسس موضوعية، قابلة للتحديد والقياس، تلزم كل طرف بانجاز ما تعهد به أو بما يلزم من موقعه، وليست هذه الأسس من صنع البشر وإنما هي في الواقع من صنع التاريخ الذي يمكن أن يثرى على مر الأجيال بجهود البشر المتفتحين المخلصين. ولكنه لا يمكن أن يعود إلى الوراء تحت ضربات المتعصبين الضالين ولا أن ينحرف عن خطه الأصلي بقرارات الجهلة المستلبين.

د. بوعبد الله غلام الله
وزير الشؤون الدينية والأوقاف

المصالحة الوطنية المنشودة

المصالحة مشتقة من الفعل (صلح) ويعني ضد فسد، وإذا كان الفساد حالة تطرأ على أصل الشيء فمعنى ذلك أن الصلاح هو الأصل.
يعني أن الشيء مثل الطعام أو الماء أو الهواء يكون صالحًا نقيًا طاهرًافإذا طرأ عليه ما يغيره مثل تعفن الطعام وتغير الماء وتلوث الهواء قيل عنكل منها بأنه فسد، ولم يعد صالحًا أو فقد صلاحيته.
والشيء، إذا فسد فإما أنه يمكن إصلاحه أو لا يمكن ذلك. وإمكان إصلاح الشيءيتوقف على أمرين معًا أو أحدهما يتوقف على طبيعة الشيء الفاسد، وعلى شدةالحاجة إليه. فإذا كان الشيء الفاسد مما لا يقبل الإصلاح بطبيعته فمنالعبث محاولة إصلاحه، وقد قال الحكيم العربي في الشيخوخة :
وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر !
أما إذا كان الشيء قابلا للإصلاح وكانت الحاجة إليه قائمة فمن غير المعقول عدم القيام بإصلاحه.
ومن الأمور المعرضة للفساد باستمرار، ولكنها قابلة للإصلاح كذلك باستمرار،والحاجة إلى إصلاحها قائمة كذلك باستمرار، العلاقات الاجتماعية. هذهالعلاقات التي تكون لحمة المجتمع وسداه في نفس الوقت. إذ أن الإنسان مدنيبالطبع كما يقول ابن خلدون، أي كائن اجتماعي لا يعيش إلا داخل المجتمع.
والمجتمع لا يتشكل من الأفراد، وإنما يتشكل من العلاقات التي تربط الأفرادبعضهم ببعض. وكلما كانت هذه العلاقات مستقيمة واضحة كلما كان المجتمع فيحالة من الصلاح تمكنه من التّقدم والازدهار.
ولكن إذا طرأ على هذه العلاقات الاجتماعية اضطراب وغموض بحيث تفقداستقامتها ووضوحها يطرأ عليها ما يمكن تسميته بالفساد ويصبح المجتمع فريسةللفوضى والانحراف. ويصبح معرضا للتفكك والدمار.
إن العلاقات الاجتماعية يُمكن تصورها في أشكال عديدة من الشبكات، مما يسهلعلينا اختيار إحداها لعرض تصور يمكننا من إدراك هذه العلاقات إدراكًاموضوعيًا إلى حد ما.
والتصور المقصود هنا هو الشبكة المكونة من العلاقات التي تحدد لكل فرد فيالجماعة مكانة يحتلها ودورًا يقوم به ويؤديه، وبعبارة أخرى فإن كل فرد فيجماعته إنما يعين حسب الموقع الذي يحتله أو يقف فيه وحسب النشاط الذييؤديه داخل الجماعة، وتكون العلاقات الاجتماعية مستقيمة واضحة عندما يلتزمكل فرد بحدود المكانة التي يحتلها وعندما يؤدي في نفس الوقت الدور المنُوطبه.
وإذا كان هذا الوضع الأمثل يصدق على آلة ميكانيكية محكمة الصنع مثل جهازالساعة أو محرك السيارة أو آلة الخياطة، فإن الأمر ليس كذلك داخل المجتمع،لأن الأفراد ذوي المكانة المتماثلة ليست لهم دوافع متماثلة هذا من جهة ومنجهة أخرى، فإن الأفراد الموكولة إليهم مهمات متماثلة لا يؤدونها بنفسالطريقة، وإنما يكون في الواقع أداء بعضهم أكبر وأفضل من أداء البعض الآخر.
ثم إن هذا التفاوت في مقدار الدوافع وفي كمية النشاط يتولد عنه تفاوت آخرفي تقدير المكانات والأدوار بحيث يدرك أحدهم مكانته أكبر مما هي في الواقعويقدر دوره حسب دوافعه فيرى أنه يؤديه بما يميزه عن أمثاله من أعضاءالجماعة .. وهكذا تفقد العلاقات الاجتماعية الاستقامة الأصلية والوضوحالأولي فتضطرب وتفسد، وتنبعث في المجتمع ظاهرة التسلط، يتسلط الأقوياءفيضاعفون من مكتسباتهم على حساب الضعفاء الذين يفقدون شيئا فشيئا مكانتهمو أدوارهم، ومن ثم تندثر حقوقهم. ويفقد المجتمع توازنه ويسوده الاضطراب.
هذه الظاهرة، ظاهرة فساد العلاقات الاجتماعية يسميها القرآن الكريم فسقًا،وعبر عنها صراحة في قوله تعالى : { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيهاففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا}الإسراء 16.
وأحيانا يصفها بالظلم.
قال تعالى : { وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} القصص 59.
وبما أن العلاقات الاجتماعية من الأمور القابلة بطبيعتها للإصلاح متىتوفرت شروطه، وبما أن الحاجة إلى إصلاح هذه العلاقات ضرورة يتوقف عليهاقيام المجتمع واستمرار حياته إذن فلابد من العمل على إصلاحها.
وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بإقامة الصلح في الأسرة حيث قال : { وإنامرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهماصلحًا، والصلح خير} النساء 128.
كما أمرنا بإقامة الصلح بين الجماعات المتصارعة أو المتقاتلة فقال تعالى :
{
و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} و قال :{ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } الحجرات 9 و 10.
ثم إن الصلح أو المصالحة هو من صيغ المفاعلة. أي يكون الفعل صادرًا منطرفين على الأقل وقد يكون الصلح بين عدة أطراف. ليس المهم عدد أطراف الصلحأو المصالحة، وإنما المهم أن تشارك الأطراف المعنية في إقامة الصلح. ولكيتشارك الأطراف المعنية يلزم أن تكون مدركة لما يجب أن تتخلى عنه من الحقوقالتي كانت تدعيها كلها أو بعضها، هذه الحقوق التي من أجل المحافظة عليهاأو استرجاعها دخلت في الصراع، ويجب أن تكون الأطراف الأخرى تعترف لها بهذهالحقوق كلها أو بعضها كذلك. فالصلح أو المصالحة معناها أن يدفع كل طرفشيئا مما عنده. فالذي لا يملك شيئا لا يمكن اعتباره طرفا في المصالحة،والذي لا يريد أن يتخلى عن شيء كذلك لا يمكن اعتباره طرفًا.
إن الدعوة إلى المصالحة والإقبال عليها معناهما أن هذا الطرف قد أدرك بأنهلا يمكن أن يحقق أمن المجتمع وسعادته بمفرده، وأنه لا مناص من مشاركة بقيةالأطراف حتى نضمن للمجتمع أمنه وسعادته.
وهذا هو مضمون برنامج فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة،الذي أعلن أن الجزائر هي وطن كل الجزائريين وعليها أن تستوعب كل المواطنينعلى اختلاف نزعاتهم ومشاربهم.. لكن يبقى أن يعمل الجميع على تحديد مفهومالمصالحة الوطنية.
فهناك من يجعل مفهوم المصالحة الوطنية في الكف عن العنف والإخلاد إلى السلم.
وهناك من يرى أن التخلي على العنف لا يتم بدون مقابل، وإنما يجب أن يقومعلى إعلان العفو الشامل، والإحجام عن متابعة المعتدين وأن تتكفل الدولةبتعويض جميع الخسائر المادية والبشرية التي عانتها الجزائر خلال سنواتالإرهاب.
بل هناك من يرى بأن العائدين من الجبال لا يكفي أن يشملهم العفو وإنما يجبأن يرد لهم الاعتبار وأن يعودوا مواطنين كاملي الحقوق كما لو كانوا لميسيئوا لا إلى المواطنين ولا إلى الدولة ولا إلى الوطن، بل هناك من دعا إلأن يشمل هذا العفو حتى الحركى الذين سبق أن حاربوا في صفوف الجيشالاستعماري ضد الوطن.
هذه المفاهيم وغيرها تصب كلها في شعار " عفا الله عما سلف". من الأكيد أنهناك مفاهيم أخرى لا تتفق مع ما ذكرناه، وقد لا يتسع المجال لذكرها،باعتبار أنها مفاهيم تتعارض في معظمها مع فكرة المصالحة التي تعني كماأسلفنا التنازل عن بعض المكاسب المادية والمعنوية بهدف التوصل إلى تحقيقالأمن والسعادة للمجتمع.
ولكن لنفرض - جدلا - أن أصحاب هذه المفاهيم المناهضة تَخَلوا عن اعتراضهموأن أصحاب المواقف السالفة قد اتفقوا على قبول آرائهم وتوافقوا علىالتنازل لبعضهم فما هي المصالحة التي يمكن أن تبنى على هذا التوافق.
إننا إذا طبقنا ذلك مفاده أن نعود إلى ما كنا عليه قبل الاختلاف والصراع. إن المصالحة بهذا المفهوم أشبه ما تكون بعرس تملأ فيه البطون وتطرب فيهالآذان، وتدوى فيه طلقات البارود ثم يعود كل مدعو من حيث أتى. إنها بهذاالمعنى مصالحة متجهة إلى الماضي، غير عابئة بالمستقبل، إنها مصالحة تقفعند حدود المصافحة وسوف ينتهي مفعولها مجرد أن يسحب كل مصافح يده بعداللقاء.
و هنا يجب أن نبحث عن مفهوم جديد للمصالحة يتجه نحو المستقبل ومنطلق هذاالمفهوم هو أن يرجع فيه كل طرف إلى نفسه يحلل أفكاره ومواقفه، ويبحث عنأخطائه التي ساهمت في تشكيل الأزمة العنيفة التي مرت بها الجزائر، والتيعانى منها الشعب الجزائري الأمرين، وخسر فيها فلذات الأكباد وعوائدالاقتصاد، وقيم العباد.
فلو قدرنا أن كل فئة في المجتمع الجزائري أخذت مكانتها بعد الاستقلالمباشرة، وسارت في طريق بناء الدولة وبرنامج المجتمع الذي حددته أدبياتالثورة، و وضع كل طرف هدفا له أن يساعد الأطراف الأخرى على أداء مهامهاوالقيام بواجبها ... لو سارت الجزائر بهذه الطريقة لما وصلت إلى ما آلتإليه أوضاعها من التفكك والصراع. بل لكانت الجزائر اليوم في طليعة الدولالنامية إن لم نقل في صف الدول المتطورة، فالمسؤولية إذن تقع على الجميع.
وإذا كانت المصافحة وتبادل الابتسامات ترضي خاطرنا وتعمل على إسدالالستائر على أخطائنا فإن ذلك لن يجدي في المصالحة شيئا. بل قد يعرضنا فيالمستقبل القريب أو المتوسط إلى مشاكل أعقد من تلك التي هزت مجتمعنا منالأعماق وأغرقته في دوامة الفتنة والضياع.
إن المصالحة المفيدة البناءة تتمثل في أن يحلل كل طرف، مؤسسات وأفرادًامواقفه وأخطاءه، وأن يقدر كل طرف مسؤوليته فيما تعرضت له الجزائر من أزماتومشاكل، وأن يعلن طل طرف توبته مما تسبب فيه لبلده من مآسي وآلام، وأنيعقد العزم على الإقلاع، وعدم العودة إلى الطريق الذي سار فيه، وأن يقدمبرنامج العمل الذي سوف يقوم به في المستقبل وما هي التضحيات التي سوفيقدمها تكفيرًا عن الأخطاء التي ارتكبها.
إن المصالحة الوطنية تعني برنامج عمل أوعهد شرف يتفق عليه الجميع ويلتزمفيه كل طرف بما يمكنه أن ينجز منه، ثم يقدم هذا البرنامج إلى الشعبالجزائري ليعطي رأيه فيه ليصبح عهدًا وطنيا مصونا لا يمكن خيانته ولاالانحراف عنه، وهكذا تصبح فكرة المصالحة فكرة بناء يقام، وجهد يبذل ومنهجيطبق، ونظرة هادفة إلى المستقبل تنفذ فيه بقوة تساوي قوة الإحساس بالتفريطالذي كان منا في الماضي، هذا التفريط الذي يكاد يصل حد الخيانة لو لاالتأكد من صدق النوايا التي كانت تحدو بالفاعلين السياسيين والاجتماعيين. ولكن ماذا ينفع صدق المقاصد إذا كان جهل الطرق الصحيحة في العمل تغذيهالدوافع الذاتية يأتي بعكس المأمول.
إن إجماع الشعب الجزائري على تأييد الوئام المدني مؤشر قوي على تأييدهالتام لمشروع المصالحة الوطنية التي نرى أنها تعبر عن التزام تام نابع منالإحساس بالتفريط فيما مضى. وعزم صادق على تلافي العوامل التي ساقتالمجتمع بكامله إلى ما تعرض له من تصدع كاد يؤدي به إلى الدمار.
ولا مناص من أن يقوم برنامج المصالحة على أسس موضوعية، قابلة للتحديدوالقياس، تلزم كل طرف بانجاز ما تعهد به أو بما يلزم من موقعه، وليست هذهالأسس من صنع البشر وإنما هي في الواقع من صنع التاريخ الذي يمكن أن يثرىعلى مر الأجيال بجهود البشر المتفتحين المخلصين. ولكنه لا يمكن أن يعودإلى الوراء تحت ضربات المتعصبين الضالين ولا أن ينحرف عن خطه الأصليبقرارات الجهلة المستلبين.

د. بوعبد الله غلام الله
وزير الشؤون الدينية والأوقاف