أنت هنا

الكلمة الافتتاحية لمعالي وزير الشؤون الدينية والأوقاف الدكتور محمد عيسى في الملتقى نصف السنوي للمجالس العلمية الولائية -غرداية-

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد الله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد،

ـ الفاضل السيد الأمين العام لولاية غرداية المضيافة المجاهدة،

ـ الفاضل رئيس المجلس الشعبي الولائي،

ـ الأفاضل السادة نواب الأمة بالمجالس المحلية والوطنية،

ـ الأفاضل السادة المسؤولون في السلطات الأمنية والمدنية،

ـ الأفاضل السادة إطارات الأمة المركزية واللامركزية،

ـ السادة العلماء والمشايخ والأئمة والمرشدات،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته جميعًا.

إنّه ليوم من أيام الله تعالى، تلتئم فيه هذه الوجوه النيرة وهذه القلوب الملأى بكتاب الله تعالى عز وجل المفعمة بذكره وتسبيحه وحمده وتوحيده، هذه الألسن التي تلهج بذكر الله صباح مساء على حمد الله عز وجل على فضله وعلى منته؛ فضله أن هدانا لإسلام، فضله أن وحدنا بالقرآن، فضله أن هدانا لسنة نبيه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، فضله ومنته أن جعلنا في هذه الأرض أرض الجزائر و ما أدراك ما أرض الجزائر، أرض الجهاد، أرض الصلاح، أرض العلم، أرض الشيوخ، أرض العزة، أرض الكرامة، هذه أرض الوطن التي يكيد لها الكائدون منذ كانت، ولكنها دائمًا يناديها ميدان الحق، تجتمع على الحق وتجتمع على كلمة سواء، القرآن دائما والإسلام دائما كان هو الملهم الذي يوحد الألسنة وإن تعددت، والذي يوحد الوجوه وإن تلونت، والذي يوحد المواقف وإن كثرت المشارب.

حضرت أيها السادة الكرام غير ما موقف من مثل هذه المواقف، ربما كان آخرها احتضان الجزائر لمجمع الفقه الإسلامي، صدقوني أن ما استمعت إليه إلى الآن لخطاب يفوق ولخطاب يسمو على الرؤوس، لالتزام ينم عن صدق في العزيمة، صدق في المعالجة، صدق في الاستجابة.

الجزائر تنتظرنا أيها السادة الكرام، تنتظر موقفا ينبعث من أصل انتمائنا، من أصل حب وطننا لمدينة الرسول ﷺ الذي يأبى إلا أن نستن بسنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهو الرجل الذي عندما ولي الخلافة منع الصحابة من مغادرة مدينة الرسول ﷺ، فتحولت بحكم هذا القرار إلى مجمع علمي وفقهي زاخر، تحولت بلغة العصر إلى أكاديمية العلوم. الرجال فيها عايشوا الوحي، الرجال كانوا فيها ينظرون إلى رسول الله ﷺ إذ يتلقى وحي جبريل، عايشوا الآذان، عايشوا طريقة الصلاة، عايشوا طريقة الفكر، عايشوا طريقة الترتيل، عايشوا طريقة حفظ القرآن الكريم، عمر بن الخطاب كان إذا أعزبه الأمر جمع له العالِمِين، والعالِمُون، كانوا صحابة رسول الله ﷺ، فيهم ابن عباس، وجابر ابن زيد، والشيخ عبد الله بن أباض التميمي التابعي، فيهم عبد الله بن عمر، أقام هذا النسب الذي يفخر به الجزائريون. إذ هو نسب علمهم، وفيه مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ، السلسلة الذهبية.

إننا في أرض الجزائر أرض الإسلام نفخر أننا نحيي معا من جديد في مدينة غرداية، عروس الصحراء، وجوهرة الجزائر، في لقاء جوهري، في لقاء مجمعي راقٍ، يجيب الأمة من دافع واجب النصيحة، و((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))([1])، كما قال رسول الله ﷺ.

لن ننبع من مذهبية، بل سننبع من الشريعة، من قول الله  عز وجل وسنة رسول الله عليه الصلاة السلام، لأننا نقدر أن المذهب منهج وطريقة التفكير، وطريقة المعالجة في كتاب الله وسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وليس هدفًا في ذاته، لن تتسابق من مذاهبنا وإن كانت موجودة في هذه القاعة جميعًا، ففي هؤلاء السادة الكرام المالكيون، وفيهم الحنابلة، وفيهم الأحناف، وأحسب أن بعضهم متأثر بالشافعية ولكن لا أعرف اسما مخصوصا، وفيهم الإباضية، سينبعون جميعًا من واجب النصيحة، سوف يعالجون هذه القضايا المطروحة ليهدوا الأمة إلى الصواب، وإنها تجربة راقية تجربة لم تحدث إلا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

إن مشربنا واحد، أهل الجزائر يقرءون القرآن برواية ورش، وأكرر هذا دائما، وفيه سر كبير، لأنهم يقرؤونه عن نافع، ونافع كان إمام مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث كان عبد الله ابن عباس، حيث كان يتردد عبد الله بن أباض، حيث كان يتردد الإمام مالك، حيث كان يتردد الأوزاعي، حيث كان عبد الله بن عمر، ولذلك لما جاء الأصمعي من المشرق وأمَّ الناس في مدينة رسول الله ﷺ، في مسجده بغير قراءة نافع، قال له أهل المدينة: أتهمز في مسجد رسول الله يا أصمعي،إنها قراءة السنة التي ورثناها جميعًا بغض النظر عن إخلاف اختياراتنا المنهجية،لأننا جميعًا ننتمي إلى حضرة رسول الله ﷺ.

إننا نقرأ القرآن جماعة، طريقة أعجب بها أهل المشرق، وبعض كبار القراء بل المقرئين الذين زاروا الجزائر غبطوهم في هذه الطريقة، وكما كان يقول القدامى: نزل القرآن بلغة العرب، وفسره الفرس، وكتبه الأتراك، ولكن حفظه المغاربة ومنهم الجزائريون، حفظوه بالحزب الراتب،الذي ليس خصوصية مالكية، فإخواننا في هذه الحاضرة يقرؤون بالحزب الراتب وهي قراءة منضبطة بضبط عبد الله الهبطي، الذي لاحظ بأنه يجب أن تضبط القراءة الجماعية بوقفات، فأصبحت من ثقافتنا المشتركة وقوف أبي عبد الله الهبطي.

أيها الإخوان إننا نسدل أيدينا في الصلاة، ويناقشنا غيرنا من أهل المشرق ونحن على يقين بأننا على صواب، وإن كنا نرى بأن القبض أيضا سنة. ويمكن لنا أن نقبض أو نسدل على السواء، ولكننا نفخر أننا أخذنا جميعا مالكية وإباضية هذا المشرب من مدينة رسول الله ﷺ الذي تواترت الرواية بأن الإمام عليًا كان يسدل في صلاته، وأن السبطين الحسن والحسين كان يسدلان في صلاتهما، وأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه روي عنه أنه كان يسدل في صلاته، ونحن نفخر بأن المشرب واحد.

ولأن المصب واحد أيها الإخوة الكرام، وصدق رسول الله ﷺ حيث قال: ((الْخَلْقُ عِيَالُ اللهِ، فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ))([2])، النفع هو الغاية، هو المقصد، هو الهدف، ونفع العيال هو نفع عباد الله، ونفع عباد الله هم الأقرب إلينا، وهم المواطنون.

إن المصبَّ أيها الإخوان هو الوطن، هو الجزائر، هو الأرض الطيبة التي كانت على دين الفطرة، كان أمازيغيوها على دين الفطرة كالعرب في شبه الجزيرة العربية، مر عليهم  زمن طويل لم يرسل المولى عز وجل نبيًا أو رسولاً، واعتنقوا الإسلام وجاء صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام عقبة بن نافع الفهري ووقف على هذه الأرض لله تعالى، ولذلك ماتت دونها النفوس، وأزهقت الأرواح، وبذلت الأموال، وتشردت القبائل، وذبحت النساء والأطفال من أجل أن تبقى الجزائر واحدة موحدة وقفا لله تعالى، إنه ميراث الشهداء.

أيها الإخوان ونحن نجتمع في هذا المجمع نستحضر روح مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكن ينبغي أيضا أن نستحضر الحاضرة التي بها أصبحنا أحرارا، ينبغي أن يكون تفكيرنا ونحن نتعامل مع نص كتاب الله تعالى ونص سنة النبي عليه الصلاة والسلام أن نستحضر بأن ما نصل إليه ينبغي أن ينفع الجزائر، أليس الشيخ عبد الحميد بن باديس صنو وأخا الشيخ بيوض والشيخ أبي اليقضان؟ أليس هو القائل: لمن أعيش أنا؟ ويجيب عن السؤال الذي طرحه على  نفسه: أعيش للإسلام وللجزائر.

عندما تعيش للإسلام أخي الكريم، عندما تعيش للإسلام أيها الحفل المبارك، إنك تجد أن المذهبية خادمة له وأن المشارب خادمة له، وأن الانتماء إلى الجامع أو الانتماء إلى الجامعة سواء، لأنك تخدم الإسلام وتعيش للجزائر، لأن الجزائر عندما تكون شامخة تشع بشموخها على جيرانها، وتعينهم على تجاوز صعوباتهم، وتعينهم في حل أزماتهم، وكذا في رص صفوفهم، وتعينهم في لم كلمتهم، وتعينهم في تحديد هدفهم، وهذا الذي تفعله الجزائر اليوم، هو الذي فعلته سابقا، فقد نجحت في توطيد صفوف إخواننا في العالم الغرب الإسلامي، الذين هم امتداد لنا، فالإمام عبد الكريم المغيلي الذي خرج من منطقة أرض توات (أدرار) ومرّ على مالي والنيجر، ووصل إلى نيجيريا وعسكر وأقام في "كانو"، حيث كانت هنالك سلطنة ومكنه السلطان من كتابة دستور له، ومازال إخوانكم في "كانو" إلى اليوم يتشوقون أن يزوروكم في وطنكم، وأن ينظروا إلى موطن هذا الرجل الذي فتح هذه البلاد (بلاد السودان كما كانت تسمى في الزمن الأول).

أيها السادة، إن الجزائر هي المصب، وهي الهدف، وهي التي ينبغي أن نفكر لها. إن كل ما نزرعه فيها يحصده أبناؤنا يحصده الجيل القادم.

إن اختيار مدينة غرداية ليس اختيارا عفويا، بل شعرت وأنا أكلمكم بحال صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام وهم يقلبون وجوههم في السماء راجين أن تتحول قبلتهم من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، كذلك كان إخوانكم وهو يلتقون كل نصف سنة بدار الإمام، يتشوفون بأن تستضيف ولاية من ولايات الوطن مجمعكم العلمي، وكنا جميعا نتشوف بأن تكون هذه الولاية ذات معنى، ولا أظن أن هناك ولاية ذات معنى أكثر من ولاية غرداية، وفيها يتلى القرآن الكريم، وفيها اللسان العربي المبين، وفيها أصول، وفيها الشهامة، وفيها الكرم، وفيها العلم، وفيها النظام المجمعي، وفيها النظام الأكاديمي، وفيها الجامع والجامعة.

يضم هذا اللقاء أمناء المجالس العلمية، والقائمين على الفتوى في كل ولايات الوطن، ويضم أساتذة العلوم الإسلامية، ونخبة الأطباء، ونخبة رجال الفكر الأمني، ونخبة البياطرة، ويضم الكفاءات الوطنية، ويضم القائمون في وسائل الإسلام، إنه هذا اللقاء يجمع خيرة ما يوجد في هدا الوطن، وفي هذا المحفل المبارك أئمة الوطن، وإذا كنا نؤم الناس آحادا آحادا في مساجدنا، فإن مجمعكم هذا سيؤم الجزائر جميعا.

لا أطيل عليكم لكنني أتعهد ـ كما بدأت أول ما دعوت هذا المجلس العلمي ـ بأن تكون قراراته هادية للإدارة، ليست إدارة الشؤون الدينية فحسب، ولكن الانشغالات التي طرحت علي كذلك في الحكومة، فقلت: إن للجزائر علماء سيجيبونني عنها، وأنا متيقن بأن هؤلاء العلماء سيستجيبون للنداء، وسيلبون الطلب وسينصحون الحكومة الجزائرية فيما طلبته من استشارة، ولكنهم يجيبون أيضا المجتمع الجزائري الذي تشوش بسبب سوء تبليغنا لأفكارنا.

إننا ونحن نلتقي في هذا المقام نستحضر الواجب، ونستحضر الالتزام، ونستحضر وحي القرآن الذي يأمرنا جميعا في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُو﴾ ([3])، وفي قوله سبحانه عز وجل:﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ ﴾ ([4]).

إننا نستحضر هذا الامتحان لنثبت للناس جميعا بأنَّ تموقعنا وانتماءنا للجامع أو الجامعة، وانتماءنا للفضاء الرسمي أو غير الرسمي، كله يصب في مصب واحد هو ابتغاء الحق وهداية الخلق، ونصيحة ولي الأمر.

 

شكرا لكم جميعا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 


([1]) أخرجه مسلم رقم 95.

([2]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير رقم 10033، وفي الأوسط رقم 5541، والبيهقي في شعب الإيمان رقم 7046، وغيرهم.

([3]) سورة آل عمران/103.

([4]) سورة المائدة/48.

الملخص الكامل للملتقى للتحميل