أنت هنا

الكلمة الافتتاحية لمعالي وزير الشؤون الدينية والأوقاف،الدكتور محمد عيسى، في الملتقى الدولي العاشر للمذهب المالكي

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده...

  • الفاضل السيد والي عين الدفلى المضيافة.
  • معالي السادة الوزراء.
  • السادة نواب الأمة في البرلمان بغرفتيه.
  • السادة المسؤولين المحليين المدنيين والعسكريين في الولاية.
  • السادة العلماء والأساتذة والباحثين.
  • السادة ممثلي وسائل الإعلام المختلفة.
  • السادة الأئمة والسيدات المرشدات.
  • أيها الجمع الكريم.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد،

فإننا نلتقي في هذا المحفل المبارك، والملتقى العلمي الذي يشعل هذه السنة منارته العاشرة، وتلك عشرة كاملة من العمل الدائم المستمر  المتألق، في سماء الجزائر التي أشرقت بنور الإسلام، وتأصل هديه في قلوب الجزائريين منذ عهد الفاتحين الأوائل بقيادة سيدي عقبة بن نافع وصحبه رضي الله عنهم.

فأشرب أهل هذا الوطن حب الإسلام بكل ما يحمله من معان وشعائر ومبادئ، وتعلقت قلوبهم بحب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبحب مدينته المنورة.

وما حب الديار شغفن قلبي    ولكن حب من سكن الديار

ولعل هذا الحب واحد من أسرار تلك الوفود الرائدة التي شدّت الرِّحال من الغرب الإسلامي إلى مشرقه، حيث المسجد النبوي المبارك، لتأخذ العلم من المعين الصافي، فوجدوا في تلك الربوع ساقيا كريما وهاديا عالما، من ورثة النبي صلى الله عليه وسلم الذي تحققت بشارته حين قال عليه الصلاة والسلام: ((يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ،  فَلاَ يَجْدُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ))([1])، إنه الإمام مالك بن أنس وارث علم أهل المدينة وفقيهها الذي لا يفتى وهو بين ظهرانيهم.

أيها الجمع الكريم

تحدثنا مصادر تاريخ التشريع الإسلامي عمّا يربو عن ثلاثين شخصية علمية مغاربية رحلت للأخذ عن الإمام مالك وتلاميذه الأوائل، لتتصل بسند فقه أهل المدينة الذي أرسيت أصول شجرتِه  في المدينة النبوية، وتفرعت في كثير من بقاع العالم الإسلامي.

من أبرزه هؤلاء الرواد ابن زياد (ت183هـ)، والبهلول بن راشد (ت183هـ)، وعبد الله بن غانم (ت190هـ)، وأبو سليمان محمد بن ربيعة الحضرمي الطرابلسي، ومحمد بن ربيعة الحضرمي الطرابلسي، وهما مما سمع من الإمام مالك ورويا عنه([2]).

ومن بعدهم أسد بن الفرات (213هـ)، وسحنون (ت240هـ)، وإسحاق بن عبد الملك الملشوني (ت226هـ)([3])، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي (ت249هـ)، وأبو عبد الرحمن  بكر بن حماد سهل الزناتي التاهرتي (ت296هـ).

فتحمل هؤلاء وغيرهم لواء المذهب المالكي، وأدّوه إلى الأجيال المتعاقبة، حتى صار أساس المرجعية الفقهية في الجزائر وما جاورها من بلدان المغرب العربي، وهي مرجعية لم تنشأ بفعل سلطة زمنية ولا إكراه سياسي أو إداري، بل نشأت باختيار حر من المجتمع المغاربي الذي تبنى هذا المذهب، والتف حوله، ووجد فيه حصنا لوحدته الدينية، وعاصما لنسقه الفكري والاجتماعي، رغم ما اعترى  ذلك من الصعوبات وما واجهه من التحديات.

أيها الجمع الكريم

ثمة عوامل كثيرة ضمنت استمرار المذهب، وحفظت جذوته، لا يسمح المقام بالتفصيل فيها، ولكن الدارسين لتاريخ المذهب قد بينوا ذلك في كتاباتهم وبحوثهم، ولكني أريد أن أنبِّه إلى عامل موضوعي علمي، يرتبط ببعض خصائص الفقه المالكي ومزاياه، منها:

1 ـ سعته من حيث الأصول والمصادر، التي جمعت بين أدلة النقل والعقل، حتى غدا المذهب نقليا بامتياز، وعقليا بمثل ذلك الامتياز، وعن هذه السعة يقول العلاَّمةُ الشيخُ محمَّد أَبُو زهْرةَ ~: ((...إنه أكثرُ المذاهبِ أُصُولاً، حَتَّى إِنَّ علماءَ الأُصُولِ فِي المَذْهَبِ المَالِكِيِّ يُحاوِلونَ الدِّفاعَ عَنْ هَذِهِ الكثرةِ، ويدَّعونَ على المذاهبِ الأخرَى أنَّها تأخذُ بمثلِ ما يأخذُ بِهِ مِنَ الأُصُولِ عددًا، ولكنَّا لاَ نسمِّيها بأسمائِها.

وَلاَ نريدُ أَنْ نخوضَ فِي ذَلِكَ، بَلْ إنَّا نقولُ: إِنَّ الأَمْرَ لاَ يحتاج إِلَى دفاعٍ، لأنَّ تلكَ الكثرةَ حسَنةٌ من حَسَناتِ المَذْهَبِ المَالِكِيِّ يَجِبُ أن يفاخرَ بِهَا المَالِكِيُّونَ، لاَ أن يُحَمِّلُوا أنفسَهم مُؤنَةَ الدِّفاعِ، وَلذَلِكَ نحنُ نرَى أَنَّهُ أكثرُ المذاهبِ أُصُولاً غَيْرَ محاولينَ أن نحمِّلَ غيرَهُ ما لَمْ يقلْ أَهْلُه))([4]).

2 ـ المرونة والقابلية للتجدد والتكيف مع مقتضيات العصر ومستجداته، وهذا نتيجة من نتائج الخاصية الأولى، ونتيجة أيضا لتعدد المدارس الفقهية، المدنية، والبغدادية، والمصرية، والمغربية، والأندلسية، وهي مدارس تقتبس من مشكاة واحدة، ولكنها أخذت اتجاهاتٍ متكاملةً خدمت ثراء المذهب، وأكسبته هذه المرونة والقدرة على التجدد واستيعاب النوازل والحوادث، بفعل حركية الاجتهاد التي لا تنضَب ولا تتوقف، ومن تتبع الاجتهاد الفقهي المعاصر الذي تضطلع به المجامع الفقهية وجد مصداق هذه الخاصية بكل وضوح.

3 ـ التفتح على الآراء الفقهية والاجتهادات المختلفة، فقد عايش المذهب المالكي المذاهب الفقهية كالمذهب الحنفي، والشافعي، والحنبلي في المشرق، والمذهبين الحنفي والإباضي في المغرب، دون تعصب ولا تزمت، وإني أود أن أقاسمكم إعجابي بصورة مشرقة من هذا الملمح الحضاري الذي جسده الإمام أبو بكر الأبهري (ت375هـ) الذي كان يحظى لدى علماء المذاهب الفقهية بالتقدير والاحترام، حتى ذكر أن أصحاب الشافعي وأبي حنيفة، كانوا إذا اختلفوا في أقوال أئمتهم، يسألونه فيرجعون إلى قوله.

هذا، ومن نافلة القول وأنا في حضرة هذا المحفل من العلماء والمشايخ، الحديث عن قاعدة مراعاة الخلاف، التي تعد سندا قويا، وتأصيلا منهجيا لهذا التفتح والتواصل.

ولا أريد أن أسترسل في عرض هذه الخصائص والميزات، وإن كان الحديث عنها شيقا رائقا مفيدا، لأن موضوع ملتقى هذه السنة وهو (الفروق في المذهب المالكي)، الذي يعد امتدادا للموضوعات السابقة، وخصوصا موضوعَ التقعيد  والتقنين الذي تناوله الباحثون بالدراسة في الدورة السابقة.

إن فن الفروق الفقهية ـ كما لا يخفى على كريم علمكم ـ يعتبر حلقة بارزة في سلسلة الصناعة الفقهية، ومظهرا من مظاهر العمق والتدقيق، لا يقف على النظرة السطحية للمسائل، بل يسبر أغوارها وأعماقها ويستجلي أسرارها وعللها، وهي مرحلة راقية في البحث الفقهي والأصولي، أسهم فيها علماء المذهب بمدد علمي متميز، أستحضر معكم نماذج مما ألف في هذا الفن وهي:

ـ فروق مسائل مشبهة من المذهب، للإمام ابن  الكاتب (ت408هـ).

ـ الفروق في مسائل الفقه، للقاضي عبد الوهاب البغدادي (ت422هـ).

ـ النكت والفروق في مسائل الفقه لعبد الحقّ الصقلي (ت466هـ).

ـ أنوار البروق في أنواء الفروق" لشهاب الدين القرافي الصنهاجي (ت684هـ).

ـ الفروق ـ أبي عبد الله محمد المواق الغرناطي (897هـ).

ـ ترتيب فروق القرافي واختصارها، للبقوري (ت707هـ).

ـ إدرار الشروق على أنواء الفروق، لابن الشاط (ت723هـ).

ـ وأختم هذه الأمثلة بكتاب "عدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق" للإمام أبي العباس الونشريسي (ت914هـ).

وأمهات المؤلفات والكتابات في هذا الشأن كثيرة، أرجو أن يتفضل الباحثون بعرضها وتجليتها.

ونتطلع من هذا الملتقى أن يضع بصمة جديدة في علم الفروق، ويعطي قيمة مضافة في جوانبه التصورية المفاهيمية وبيان الجهود العلمية في خدمته وتطويره، أو في نواحيه الموضوعية وعلاقته مع أصول الشريعة وقواعدها ومقاصدها، أو في مستوى تطبيقاته  الاجتهادية في مختلف مناحي الحياة.

أيها الجمع الكريم

في ختام هذه الكلمة، أود أن أرفع آيات الشكر والعرفان إلى فخامة رئيس الجمهورية على أياديه البيضاء التي ما زال يسديها لأهل القرآن والعلم، وعلى رعايته السامية لهذا الملتقى العلمي الدولي في مظلة الأسبوع الوطني للقرآن الكريم.

والشكر موصول للسيد والي الولاية المحترم الذي لم يبخل على الملتقى بكل ما يحتاجه من الإمكانات والدعم.

ومن خلاله نشكر أهل هذه الولاية المضيافة على كرم الاستقبال وجميل الحفاوة.

كما أشكر السادة العلماء والدكاترة والأساتذة الباحثين على جهودهم وإسهاماتهم العلمية، التي يثرون بها هذا المنبر العلمي الثقافي.

وأتوجه بالشكر إلى وسائل الإعلام المختلفة التي تسعى لنقل هذه الصورة المشرقة المشرفة.

وإلى كل جنود الخفاء الذي عملوا بجهد وتفان لضمان استمرار نجاح هذا الحدث العلمي.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 


([1]) أخرجه الإمام أحمد رقم 7980

والترمذي، رقم 2680، وقال: حديث حسن.

([2]) انظر: الديباج لابن فرحون (1/359)، المذهب المالكي مدارسه ومؤلفاته وخصائصه وسماته لمحمد المامي ص 95، اصطلاح المذهب عند المالكية للدكتور محمد إبراهيم ص 72.

([3]) نسبة إلى ملشونة في الجنوب الجزائري.

([4]) مالك، للشيخ محمد أبي زهرة ص 376.

التسجيل الصوتي لكلمة معالي وزير الشؤون الدينية والأوقاف