أنت هنا

الحج بين ذكر الرحمان ومكايد الشيطان

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وأرض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

فأيها المسلمون: كثيرة هي المعاني التي ينبغي أن يعوذ الحجاج مستشعرين لها، ومتلبسين بها في حال حلّهم وإحرامهم وسفرهم وإقامتهم.

ولكنني أكتفي هنا بالوقوف عند أمرين عظيمين، ألا وهما: ذكر الرحمان وعداوة الشيطان ومن ذا الذي لا يتذكر عظمة الله وهو يبصر آياته في السماء والأرض، ويشهد وحدانيته في الآفاق.

ذكر الله شعار المسلم بكـلّ حال، وبه أنسه كلما اختلف الزمان أو تباعد المكـان " ألا بذكر الله تطمئن القلوب". "فاذكروني أذكركم"، (وتذكر الله أكبر).

وإذا تلبس الحاج بالذكر من حيث يحرم ذاكراً لله مسبحاً بحمده وملبياً لله وحده لا شريك له، بل وقبل ذلك من حين خروجه من بيته مبتدئا بدعاء السفر المشتمل على ذكر الله، ثم يظل الحاج مستصحباً لذكر الله في الطواف حول الكعبة وبين الصفا والمروة، وفي منى التي ترتج بذكر الله وتكبيره، وفي عرفات حيث أفضل الدعاء، وأفضل ما قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والنبيون من قبله: لا إله إلا الله وحين الإفاضة من عرفات عند المشعر الحـرام ( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام).

وهكذا يستمر الذكر عند الجمرات وعند نحر الهدي، بل ويؤمر الحاج بذكر الله بعد قضاء المناسك وفراغها، والحق تبارك وتعالى يقول : " فإذا قضيتم مناسككم  فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً فمن الناس من يقول ربنا أتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق، ومنهم من يقول ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

ولئن اختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى : " فاذكروا الله كذكركم أباءكم أو أشد ذكراً" فقالت طائفة: المعنى : الهجوا بذكر الله كثيرا كما يلهج الصبي قائلا: أبي، أمي، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك، لهج المستغيث والمستنصر.

وقالت طائفة أخرى: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات (من دية أو غرامة) ليس لهم ذكر غير فِعال آبائهم، فأنزل الله تعالى : " فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكراً". وفي هذا المعنى جاء في تفسير القرطبي قول أبو الجوزاء لابن عباس: إن الرجل اليوم لا يذكر أباه، فما معنى الآية؟ قال : ليس كذلك، ولكن أن تغضب الله تعالى إذا عصي أشد من غضبك لوالديك إذا شتما.

وسواء كان هذا أو ذاك فالمقصود من الآية – كما قال المفسرون- الحث على كثرة ذكر الله عز وجل، و(أو) هنا لتحقيق المسألة في الخبر وليست للشك قطعاً، وإنما هي لتحقيق الخبر عنه بأنه كذلك أو أزيد منه.

إخوة الإيمان: وحيث يرتبط الدعاء بالذكر فتأملوا هذا المعنى الدقيق الذي أشارت إليه الآية بقوله: " فمن الناس من يقول ربّنا أتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق".

قال ابن كثير : أرشد تعالى إلى دعائه بعد كثرة ذكره، فإنه مظنة الإجابة، وذمّ من لا يسأله إلا  في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه فقال: " فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق" والمقصود التنفير عن التشبه بمن هو كذلك، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم أجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئاً، فأنزل الله فيهم هذه الآية، وكان يجيء بعده آخرون فيقولون: " ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار".

فأنزل الله: "أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب"

عباد الله: تأملوا كيف ترتبط الدنيا بالآخرة في نظر الإسلام، وكيف يصحح الإسلام المفاهيم الخاطئة في هذا الدعاء الشامل الذي كثيراً ما نردده بألسنتنا وقد لا تستحضره قلوبنا: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".

فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة، وزوجة صالحة وحسنة، ورزق واسع، وعلم نافع وعمل صالح ومركب هنيء وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين.

وأما الحسنة في الآخرة فأعلاها دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة.

وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام.

أيها المسلمون: وهكذا ينبغي أن يستذكر الحجاج وغيرهم عظمة الله فيذكروه ويشكروه ويذكروه ذكرا كثيراً ويسبحوه بكرة وأصيلا، يذكروا ذكراً تطمئن به القلوب وتنشرح له الصدور، يذكروه في حال اجتماعهم بغيرهم ليذكروهم عظمة الله ويذكروه في حال خلوتهم فتفيض أعينهم خوفاً منه ووجلاً وليذكرهم الله في ملأ خير من ملئهم : " ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلاّ طله رجل ذكر الله خاليا فقاضت عيناه".

وذكر الله يستوجب تعظيم حرمات الله والوقوف عند حدود الله وتعظيم شعائره :" ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب".

إن ذكر الله يرفع أقواماً قعدت بهم أحسابهم ولم ترق إليها أنسابهم، وذكر الله يكثر القليل ويقوي الضعيف، هو سيما المؤمنين، وهو حرز من الشياطين، ذكر الله عدة المجاهدين، وملاذ الخائفين، وقرة عيون الموحدين.

ألا وإنه لا يكفي أن تتردد كلمات الذكر على الألسن والقلوب غافلة غارقة في الشهوات، إن حقيقة الذكر تعظيم من ذُكر، ومن علائم الذاكرين الصادقين أن توجل قلوبهم إذا ذكر الله، ويزداد إيمانهم إذا تليت عليهم آياته : " إنما المؤمنون الذين إذّا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلّى ربّهم يتوكلون".

وإذا رمت يا أخا الإسلام أن تعلم قدر ذكرك لله فانظر في صدق محبتك لله وذودك عن شريعته، والتزامك بهدي محمد صلى الله عليه وسلم وسنته، ويبقى بعد ذلك ذكرك لله تعظيما وتعبداً واعترافاً بأنه أكبر من كل شيء، ومع ذلك كله فذكر الله لعباده بالثواب والثناء عليهم أكبر من ذكرهم إياه في عبادتهم وصولاتهم، كذلك قال ابن مسعود وابن عباس وابو الدرداء وأبو قرة وسلمان والحسن في معنى قوله تعالى : " ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون" قال القرطبي.

اللهم اجعلنا من الذكرين الشاكرين، وتقبل منا أعمالنا يا رب العالمين، أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه تجدوه غفورا رحيما.

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُ ربُنا ويرضى، اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول، لك الحمد في الأولى، ولك الحمد في الأخرى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين.

عباد الله: أما المعنى الثاني الذي تذكرنا به مناسك الحج ولا يكاد يغيب شأنه عن غير الحاج فهو عداوة الشيطان للإنسان، ولقد سن الخليلُ عليه السلام لنا في الحج رميَّ الجمار إشعاراً بعداوة الشيطان وعصيانه وقطعاً لوساوسه حين عرض له في المناسك، وإذا كان الرميُ بالحجارة من أكبر مظاهر العداوة للشيطان.

أجل إن مناسك الحج ينبغي أن تكون مذكرة بهذا العدو المتربص بنا قبل خلقنا، أو ليس هو الذي أخرج أبانا آدم عليه السلام من الجنة؟ أو ليس قد ابتدأ عداوته لنا بنخسنا يوم أن يخرجنا الله من بطون أمهاتنا؟ وذلك بداية صراخ الطفل نخسه عارياً، وفي الحديث الصحيح : ( ما من مولود يولد إلا نخسهُ الشيطان فيستهل صارخاً من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه). ليس ذلك فحسب، بل شاء الله وقدر أن يبقى قرين الجن مع قرين الملائكة مصاحبين لنا ما بقيت حياتنا : (وما منكم من أحد إلاّ ومعه شيطان)، قالوا وأنت يا رسول الله؟ قال: (وأنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم).

لقد توعد الشيطان الرجيم بإغوائنا، وتهيأ وجنوده ليقعدوا لنا بأطرق الخير كلّها : " قال فيما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم*يم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين". وأخبرنا المولى جلّ جلاله بعداوة الشيطان لنا فقال: " إنه لكم عدو مبين".

وأرشدنا سبحانه إلى المخرج من عداوته باتخاذه عدواً:" إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنّما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السَّعير".

ليس يكفي أن نعلم عداوته، وليس يجدي أن نلعنه بألسنتنا وهو يتلاعب بعقولنا، ولقد كان الفضيل بن عياض يقول : ( يا كذاب يا مفتر، اتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر).

يا أخالا الإسلام: واحذر غاية الحذر أن تكون من نصيب الشيطان الذين اختصهم فقال: " وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مقروضاً*ولأضللهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا*يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلاّ غروراً*أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا".

وكن يا عبد الله من أولياء الله الذين قال فيهم : " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك " الآية.

أيها المسلمون: واقتضت حكمة الله أن تبقى المعركة قائمة ومتجددة بينكم وبين الشيطان، وليس منّا إلا وعليه الشيطان مدخل بل مداخل، ولكن سلاح المجاهدة والاستعداد للمعركة بكل طاقة يضعف من عداوته، بل وربما بلغت المجاهدة بأقوام إلى حد يفرق منهم الشيطان، فإذا سلكوا فجاً سلك الشيطان فجاً آخر، وربما أنضى المجاهدون الصادقون شياطينهم كما ينضي المسافر دابته بطول السفر وكثرة الأعباء.

اللهم ارزقنا الهداية والاستقامة وعافنا من الحور بعد الكور، وتقبل منا ومن إخواننا المسلمين، واجعل حجنا مبروراً وسعينا مشكوراً

بقلم  الإمام: إسماعيل أمحمد

.