أنت هنا

إرهاب الطرقات

 

الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وفضله في هذه الأرض على سائر المخلوقين ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له اقتضت إرادته وهو أحكم الحاكمين أن يكون بن آدم بنيانه على وجه البسيطة فاحذر يا من تهدم هذا البنيان أن تلحق بزمرة الملعونين " الآدمي بنيان الله في الأرض ملعون من يهدمه " صدقت يا رسول الله نشهد حقا أنك المبعوث رحمة للعالمين ، صلى عليك الله يا نبي الرحمة وسلم وبارك وعلى الآل والأصحاب أجمعين، والأتباع لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد معاشر المؤمنين .

فقد اتفق الجميع من أبناء هذا الوطن الغالي أن تسمى العشرية الماضية بالعشرية السوداء، وذلك بسبب الفتنة العمياء، التي ابتلي بها أبناء الجزائر الأوفياء، والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الإخوة والأبناء، والأمهات والآباء، والأقارب والأصدقاء، لا فرق في ذلك بين الصغير والكبير، ولا بين الغني والفقير، ولا بين المأمور والأمير، ولولا أن منّ الله علينا بفضله وتداركنا برحمته وإحسانه ، وهيأ لنا رجالا من المصلحين كانوا للم الشمل وإصلاح ذات البين من المخلصين ، قلت لولا ذاك لكان الغرم أفظع والجرم أوجع .

وأما في حديثي اليوم إخوة الإيمان والعقيدة، فإنني أريد أن أتحدث عن إرهاب من نوع آخر، إرهاب بوسعنا التخفيف من حدته لكننا لم نفعل، إرهاب لا يقل خطورة وعشوائية عن الإرهاب الذي عشناه لا رده الله، إنه إرهاب الطرقات كما يسميه البعض، هذا الإرهاب الذي بات يهدد المئات بل الآلاف من الأرواح البريئة ، والذي امتدت جذوره ووصلت آلامه وأحزانه إلى كل البيوت الجزائرية تقريبا، فكم من شاب معافى أمسى في تعداد المقتولين، وكم من صبي لا ذنب له لحق بفئته من المدهوسين، وكم من سليم صحيح أضحى في صفوف المعوقين ، وكم من اليتامى والثكلى والأرامل ، وكم من العقلاء و لهول الصدمة صاروا من المجانين...

قولوا لي بربكم إخوتي وأحبتي، أليست هذه آثار الحروب بعينها، إنها حرب أعلناها على أنفسنا فمتى يا ترى تضع أوزارها ؟

أيها المؤمنون : إن الأمر خطير، وبالمعالجة جدير، فعدد الضحايا فوق كل تقدير، ولا ندري إلى أين المصير.

إخوة الإيمان: لمعالجة قضية ما لا بد من تشخيص الخلل، ووضع اليد على مكمن العلل، والقضية هذه بالذات ليست مسؤولية الدولة لوحدها، بل هي مسؤولية الجميع ، كل بحسب موقعه، ولحل هذه المعضلة والتي لم تعد مشكلة بقدر ما هي مأساة حقيقية ، تعالوا معي أيها الأحباب وأرجو أن أجد لديكم آذانا صاغية وقلوبا واعية لنذكر معا جملة من الأسباب التي أدت إلى هذا الواقع المرير، وأوجدت هذا الكابوس الشرير، والتي وبكل أسف للكثير منا يد فيها ، والكل منا قادر على تفاديها، واسمحوا لي أيها الإخوة أن أوجز هذه الأسباب في أربع كلمات توجيهية ستؤتي ثمارها تدريجيا إن شاء الله :

 

الكلمة الأولى: أوجهها للمجتمع ككل تحت عنوان إلى متى الاستخفاف بالنفس البشرية ؟ مع أن الحفاظ على هذه النفس أيها المسلمون من مقاصد الشريعة الكبرى ، بل حفظها مقدم على حفظ الدين، والقاعدة في ذلك ( الحفاظ على الأبدان أولى من الحفاظ على الأديان ) والتعدي المؤدي إلى قتل النفس ليس بالأمر الهيّن قال تعالى : (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) (المائدة32) وقال : (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلاّ بالحق) (الأنغام 151) فإزهاق النفس البشرية ظلما وعدوانا من كبائر الذنوب التي وردت على لسان المصطفى r: "اجتنبوا السبع الموبقات ، قالوا يا رسول الله وما هن ؟ قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ..." الحديث .

فالاعتداء على هذه النفس بغير وجه شرعي وإن اختلفت الأديان، وتباينت الألوان وتباعدت الأوطان، من مسبّبات الحرمان من رحمة الرحيم الرحمن وفي الحديث: "الآدمي بنيان الله في الأرض ملعون من يهدمه"، والمسلم إخوتي وآبائي وإن وقع في معصية رب الأرباب، وانحرف عن جادة الصواب، ثم تداركه الله برحمته ولطفه فتاب، ورجع إلى خالقه وأناب، وأحسن بعد الإساءة وردّ المظالم، فعندئذ يشعر بطمأنينة تعمره، وسكينة ربانية تغمره، قال تعالى: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) (طه82)، إلا أن الذي يتسبب في قتل نفس، فإنه يختلق لنفسه كابوسا مزعجا يضايقه ويلاحقه أينما مال، وحيثما حل وجال، في ليله ونهاره، في حله وترحاله، في يقظته ومنامه، وهذا ما أشار إليه المصطفى r حينما قال: "لا يزال المؤمن في فسحة ما لم يرتكب دما حراما" ونحن لا نقول هذا من باب التأنيب والتعنيف لمن وقع، فهؤلاء عسى الله أن يغفر لهم، ولكن نقول هذا من باب الردع والتنبيه لخطورة الأمر، ومعالجته مستقبلا، لئلا يتفاقم أكثر والله المستعان.

الكلمة الثانية: أبعث بها إلى المشرفين على مدارس تعليم السياقة والمشرفين على الامتحانات المتعلقة برخص القيادة، فإن الكثير من هؤلاء يتساهلون في هذه القضية وكأن الأمر يتعلق بشيء تافه، مع أن مهمتكم أيها الإخوة يتوقف عليها في كثير من الأحيان سفك دماء، وقتل أبرياء، وبكل أسف فقد امتد نزيف الرشاوي، وداء المعارف، وعلة المحاباة، إلى بعض هذه الهيئات، في الوقت الذي كان من الواجب ان تكون الصرامة والنزاهة والتشدد سيدة في هذا الميدان، فاتقوا الله أيها الإخوة في أماناتكم فإن الله سائلكم يوم القيامة قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ) (الأنفال 27).

الكلمة الثالثة: أوجهها للسائقين فأنتم أيها السائقون ليسأل كل واحد منكم أباه أو جده عن المسافة التي تقطعها اليوم في ساعات، خلال كم كان يقطعها أبوك أو جدك؟ ربما خلال أيام أو أسابيع، وشتان بين الوسيلة والوسيلة في الراحة والدفء والأمان، أليس هذا مدعاة لشكر الله ومعرفة قدر النعمة؟ إن أقل ما يطالبك به المجتمع أيها السائقأن تحترم قانون المرور وإشاراته، وهو مطلوب وواجب شرعي، لأنك باحترامك لهذه القوانين والإشارات تحافظ على حياتك وحياة الناس، أما تدري أيها السائق أنك عند تجاوزك الخط المتواصل قد هدمت جدارا، وتعمدت القتل إن وقع لا قدر الله؟ أما تدري أيها السائق أن الحديث عبر الهاتف النقال من ممنوعات القانون؟، وكم أدى ذلك إلى حوادث مؤلمة، أما تدري أن الاعتناء والاهتمام بهذه المركبة التي تحملك وتحمل متاعك من الواجبات الشرعية، فكم من إهمال لهذه المراكب أدى إلى الحتوف، والموت حتف الأنوف تعقل أيها السائق، ولا تتأثر بمن تجاوزك أو سبقك، ودع الهوى جانبا، واتق الله في نفسك وفيمن يركب معك، وفيمن يقابلك في الطريق، وليس من اللائق نقلا ولا عقلا أن تربط الأمور والأحداث دائما بالقضاء والقدر، ونحن نجانب الحيطة والحذر، والله عز وجل يقول: ( ياأيهاالذين آمنوا خذوا حذركم) (النساء 71) وإن كانت الآية ذكرت في سياق الحديث عن الحرب فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السسبب .

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

 

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد:

إخوة الإيمان: إنني أوجه الكلمة الرابعة والأخيرة إلى إخواننا وأبنائنا العاملين في صفوف الشرطة والدرك الوطني، والساهرين على حماية المواطنين وتوفير الأمن لهم، حفظهم الله ورعاهم، أقول لهم لا تتسامحوا ولا تتساهلوا مع من يخالف القانون، كونوا صارمين، كونوا متشددين، فإن صرامتكم وشدّتكم تحفظ بها الأرواح، وتضمد بها الجراح، فلا تأخذكم إخوتي عاطفة قرابة أو صداقة أو مجاملة، لأن بكاء السائق على حجز سيارته أو فقد رخصته خير له من بكائه على أرواح تفقد بسببه، أو أناس تسبب في إعاقتهم ومحنة ذويهم، وليسأل كل واحد منكم لماذا تتصدر الجزائر الدول العربية  في حوادث المرور؟

فاتقوا الله يا رجال الأمن فأنتم في مهنة نبيلة ولكم شرف مساهمتكم في صنع الأمن والعافية للمجتمع، ((... وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته...)).

 

اللهم أهدنا وأهد بنا، وعافنا وأعف عنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأمنحنا ولا تمنحنا، اللهم أصلح أخوالنا، وبلغ فيما يرضيك آمالنا، وأختم بالباقيات الصالحات أعمالنا.

 

عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

 

بقلم:الشيخ حمر العين المبروك

إمام معلم، مسجد سي المبروك ، عين معبد ، ولاية الجلفة