أعلام المنطقة

أعلام المنطقة

اليوم التاسع و العشرون من شهر رمضان 1440هـ/2019م

نبدة عن حياة الشيخ "صالح بن مهنا "القسنطيني

 

1840 م-1910م

 

رجل عظيم من رجال الإصلاح في الجزائر أغفلته مصادر التاريخ حتى كاد ذكره ينعدم، بالرغم من أن حياة الرجل جديرة بالدراسة، وقد كان المفكر الراحل مالك بن نبي رحمه الله يعتبره رمز الإصلاح في الجزائر وينوه بذكره في العديد من كتبه كشروط النهضة والصراع الفكري والمذكرات.

المولد والنشأة:

ولد صالح بن مهنا في قرية كركرة قرب بلدة القل سنة 1840، وهي القرية التي تسكنها قبيلة ابن مهنا المنحدرة من أصول مشرقية، وفي قريته هذه قرأ القرآن الكريم وتلقى مبادئ العلوم حتى بلغ سنا تؤهله إلى الالتحاق بجامع الزيتونة المعمور، وكان له من التحصيل العلمي ما يؤهله أيضا لذلك.

والظاهر أن الشيخ صالح قد نشأ نشأة سوية تؤهله لحمل راية الإصلاح فيما بعد، وقد كان صالح بن مهنا متأثرا في نشأته الأولى أيما تأثر بشيخه "عبد الله الدارجي" الذي ألف في سيرته كتابا عنونه بـ " إسعاف الراجي في بعض مآثر عبد الله الدراجي"، هذا الأخير الذي كان شديد الثورة على الظلم بعيدا عن مداهنه الحكام وتملقهم هذه الصفات وغيرها طبعت في شخص ابن مهنا اتجاهه الإصلاحي الذي عرف به.

الرحلة في طلب العلم:

رحل صالح بن مهنا من مسقط رأسه إلى جامع الزيتونة بغية طلب العلم والاستزادة منه وبعد سنوات من تحصيل العلم والمعرفة، انتفل إلى الجامع الأزهر من أجل متابعة التحصيل، وقد تتلمذ في الزيتونة والأزهر على عدد كبير من المشايخ الفضلاء.

شيوخــــــه:

تتلمذ الشيخ صالح على يد عدد كبير من المشايخ كما أسلفنا منهم: "الشيخ قابادوالتونسي"، "الشيخ صالح النيفر"، "الشيخ محمد النيفر الأكبر"، "الشيخ المازري"، "الشيخ عاشور الساحلي التونسي"، "الشيخ الإسلام زكريا"، "الشيخ إبراهيم الباجوري الأزهري"، "الشيخ مصطفى العروسي"، "الشيخ الجامع الأزهر"، "الشيخ محمد بن أحمد بن عليش"، "الشيخ حسين بن أحمد المرصفي"، "الشيخ حسين العدوي الحمزاوي"، "الشيخ الرفاعي شيخ الأزهر"، "الشيخ الشرقاوي الشافعي"، "الشيخ الأشموني الشافعي"، "الشيخ أحمد الأجهوري الضرير"، "الشيخ محمد الأنبابي"... وغيرهم من أهل العلم والفضل، وقد كان نظر طريق الإصلاح الذي لا محيد عنه بغية استئناف مسيرة رسالة الإسلام في العالم.

عودته إلى الجزائر:

عاد الشيخ صالح بن مهنا إلى الجزائر سنة 1887م، واستقر مدة من الزمن بزاوية "الشيخ بلقاسم بوحجر" حيث تزوج هناك وتفرغ للتدريس، وبعد طلب من" الشيخ محمود بن محمد الشادلي" و"الشيخ علي" شيخ زاوية بوحجر توجه صالح بن مهنا إلى قسنطينة ليشغل منصب إمام بالجامع الكبير الذي بقي فيه عدة سنوات.

التدريس والإمامة بالجامع الكبير والزاوية الحنصالية:

تفرغ الشيخ صالح لوظيفة التدريس والإمامة بالجامع الكبير، ثم تولى إلى جانب ذلك مهمة التدريس بالزاوية الحنصالية تطوعا في جميع المواد الدراسية، فأدى المهمة على أحسن وجه وأكمله، فكانت مدة تدريسه قرابة الثلاثين عاما، ولم يكتف الشيخ بهذا فقط إذ أنه لشدة حرصه على نشر العلم اكترى بيتا بالقرب من الزاوية ليتفرغ فيه للتأليف والتدريس، فكان ذلك البيت بمثابة الخلوة التي يعتزل فيها أصحاب الدنيا والمتلقين للعدو الحاكم.

تلاميــــــــذه:

بعد رحلة طويلة من التدريس فإنه لابد أن يكون للشيخ صالح عدد لا يحصى من التلاميذ، نذكر هنا بعضها منهم: "الشيخ رودسليى عبد الكريم"، "الشيخ مختار بن صالح"، "الشيخ عبد المجيد بن بريك". . . . وغيرهم، ممن سار على درب شيخه في طريق الإصلاح.

جهوده الإصلاحية:

عرف الشيخ صالح بن مهنا باتجاهه الإصلاحي منذ وقت مبكرة، إذ أثار العديد من القضايا التي لم تكن لتحصى بتلك الأهمية قبله، ومنها آراؤه حول التصوف وشيوخ الطرق هذا الموضوع الذي شن فيه حملات عنيفة ضد الذين يجعلون من التصوف شعودة ووسيلة للاسترزاق، وقد ذهب في هذا الموضوع شأوا بعيدا في كتبه، إذ أنه يرى أن ثلاثة لا يفلحون هم: ابن شيخ الطريقة وزوجته وخادمه في قول في هامش الرحلة: أما ابنه فإنه يفتح عينيه على تقبيل المردين يده وحمله على الأعناق والتبرك به؛ وقد أثار الشيخ صالح بن مهنا أيضا قضية الأشراف التي كانت منتشرة في وقته، حيث كان الكثير من الدجالين ينسبون أنفسهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فثار على هذه القضية معتبرا أن الشرف مرده إلى التقوى "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، وكان الشيخ صالح كثيرا ما يحمل على الزردة والمشعوذين في كتبه ودروسه وقد وصفهم حتى بالكفار، كما كان للشيخ ابن مهنا جهود جليلة في تعريف أهل المشرق بالمغرب العربي حيث أنه ساد لديهم أن دول المغرب نسخ من تركيا أو من الغرب إلى غير ذلك من جهوده رحمه الله.

محنــــــــــــه:

تعرض الشيخ صالح بعدما عرف بجهوده الإصلاحية وأرائه إلى محن عظيمة، تمثلت في تأليب السلطات الاستعمارية للناس عليه وتحريضهم على إيذائه، ثم ما لبث السلطات الاستعمارية أن عزلته من وظيفة الإمامة

وألقت القبض عليه واستولت على مكتبته الثمينة لولا تدخل المستشرق "البان روزي" لدى السلطات وطلبه فك أسر الشيخ وارجاع مكتبته، ولم يتعرض الشيخ صالح لهذه المحن من طرف الاستعمار فقط بل تعرض إلى محن من طرف أبناء بلده تمثلت في ردود بعض أصحاب الطرق عليه شعرا ونثرا منهم: عاشور الخنقي، هيان بن بيان فألف الأول كتابا في قضية الأشراف عنونه بـ "منار الأشراف على فضل عصاة الأشراف ومواليهم من الأطراف وألف" الثاني كتابا عنونه: "كشف النقاب على الورتيلاني الكذاب"، ولم تكن الردود على الشيخ من الطرقيين في الجزائر فحسب بل قام بالرد عليه طرقيون من المغرب مثل المهدي الوزاني، محمد العابد بن سودة، عبد السلام العمراني... وغيرهم من أهل الطريقة.

مؤلفاتـــــــه:

خلف الشيخ صالح بن مهنا العديد من المؤلفات، شملت مناحي الدين وإصلاحه منه:

- البدر الأسمي في بيان معاني نظم الأسماء الحسنى. - كتاب شرح ابن عاشر. - السر المصون على الجوهر المكنون. - أقرب الوسائل في الصلاة على النبي وجمع الشمائل. - تنبيه المغتربين والرد على إخوان الشياطين. -كتاب مولد النبي صلى الله عليه وسلم. - القول السديد على متن القصيد في علم التوحيد. - الفتحات الأزهرية في الخطب المنبرية. - فتح افتاح القدير بشرح حزب الفلاح والحزب الكبير. - تكملة مختصر الشيخ عبد الرحمان الأخضري. - مختصر الترغيب والتهريب. - تذكرة من يعيش في بعض مآثر الشيخ عليش. - شرح قواعد عياض. - شرح العشماوية. - أربعون حديثا من الموطأ. - شرح البيقونية. - الرحلة الأزهرية. - شرح الجوهرة. - شرح الخريدة. - شرح عقيدة السبوطي. - فضائل رمضان. - فضائل ليلة النصف من شعبان. - فضائل عاشوراء. - إسعاف الراجي المذكور سابقا. - شرح الجزائرية الكبير، الوسط، الصغير. - زجر كلاب والرد على مسيلمة الكذاب. - تحقيق الدعوى في الرد على أعداء أهل التقوى. وغير هذه المؤلفات في الفقه والتوحيد والتفسير والردود على أهل الشبه.

وفاتــــه رحـــمه الله:

في سنة 1910 م أسلم الشيخ صالح بن مهنا روحه إلى باريها وقد أدى ما عليه من نصح وإرشاد وتوجيه ونشر للعلم الصحيح وثورة على البدع وأهلها، لقد كان بحق مصلحا عظيما فرحمه الله رحمة واسعة.

 

 

 

 

الشيخ عمار مطاطلة "الإمام الباديسي"

 

الشيخ الإمام المجاهد عمار مطاطله (1915-2015) ولد بعين قشرة، دائرة القل، ولاية سكيكدة، كان أبوه محمد بن لخضر بن بونيب إماما وقاضيا ومعلما، فرباه على حب العلم وبذل النفس والنفيس في سبيل تحصيله. زاول

دراسته الأولى بمسقط رأسه فجمع القرآن وهو ابن الحادية عشر ودرس شيئا من الفقه والنحو. التحق بالجامع الأخضر بقسنطينة سنة 1934 حيث تتلمذ على يد عبد الحميد بن باديس مدة خمس سنين. عمل معلما ومديرا في مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كما عمل إماما بمساجدها في شرق البلاد وغربها. كانت آخر محطاته مدينة سبدو، في ضواحي تلمسان، حيث أغلقت سلطات الاحتلال الفرنسي المدرسة التي كان يديرها والمسجد الذي كان إمامه وخطيبه، ووضعته تحت الإقامة الجبرية إلى أن يسر الله له سبيلا إلى المغرب الأقصى. استمر في التعليم والجهاد في المغرب حتى الاستقلال.

اشتغل بعد الاستقلال معلما في المدرسة المتوسطة، كما اشتغل في إطار برنامج محو الأمية حتى تقاعده عام 1978. عاد بعدها إلى المساجد إماما حرا يعلم الناس دينهم ويدفع عن قومه ظلمات الجهل ويحذرهم أنفسهم وأهواءهم. ولما افتتن الناس وتراءى له من الفتن ما لم يتضح لعامة الناس، لزم بيته واهتم بالكتابة، فألف كتابا من جزئين، ونثر على صفحات جريدة البصائر، لسان حال جمعية العلماء المسلمين، مقالات عديدة لم تنقطع إلى أن بلغ من العمر أربعا وتسعين حولا. توفي - عليه رحمة الله- يوم الإثنين 23 مارس 2015، وكان بذلك آخر تلاميذ عبد الحميد بن باديس وفاة.

مولده ونسبه ونشأته:

هو الشيخ عمار بن محمد بن رابح بن الأخضر بن يحي بن بونيب الذي أصبح يحمل لقب مطاطلة بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر، ولد الشيخ عمار مطاطلة في 28 نوفمبر 1915 ببلدية عين قشرةولاية سكيكدةوكان والده من كبار حفظة القرآن وإمام الجماعة ومعلمهم وقاضيهم فأدخله الكتاب وعمره أربع سنوات وجمع القرآن وعمره إحدى عشر سنة فقدمه والده لصلاة التراويح في تلك السن المبكرة. وينتهي نسبه إلى السيد بركات الذي يقول عنه النسابون أنه نزح هو وعائلته من قرطبة بعد سقوط الأندلس، ونزل بعض عائلته ببسكرة؛ وتوجد الآن عائلات معروفة بها بينما نزل البعض الآخر بالقلوينتسب الشيخ عمار مطاطلة إلى هؤلاء.

تعلميــــــــــــه:

كان أول من لقنه حروف الهجاء والقرآن هو الشيخ محمد بن علاوة وهو معلم قرآن معروف في ناحية عين قشرة انتدبه والده لتلقين القرآن لأولاد المنطقة تحت إشرافه، ثم جلب والده فقيها يدعى الشيخ مسعود بن العيساني من منطقة الميلية ليعلمهم عقائد التوحيد والمبادئ النحوية والفقهية ثم خلفه الشيخ أحمد بن العابد الذي درسه ابن أجروم في النحو والسجاعي في الصرف والجوهرة في التوحيد والشيخ الأخضري في الفقه. ثم رحل الشيخ عمار مطاطلة من ضمن عشرة شبان إلى مدينة القل للدراسة على يد الشيخ عبد العزيز بن الحاج الصادق الذي تتلمذ على يد عبد الحميد بن باديسفدرس معه ابن العاشر والقطر وصحح معه ما درسه من قبل.

تمدرسه على يد الشيخ عبد الحميد بن باديس:

التحق الشيخ عمار مطاطلة في سنة 1934 بالجامع الأخضر بقسنطينة للانضمام إلى حلقات الدراسة والحركة التعليمية التي كان يقوم بها عبد الحميد بن باديسواستمر بالجامع الأخضرحتى سنة 1939. ويكتب الشيخ عمار مطاطلة في مذكراته: "أحسست وكأنني أمام ملك لا أمام بشر، واشتد حبي لهذا الرجل واشتدت رغبتي في سماع دروسه فلم أعد أستسيغ سماع غيره مما جعلني أعزف عن دروس بعض مساعديه".

نشـــــــــــــــــــاطه:

التعليم الحر قبل الاستقلال:

دعي الشيخ مطاطلة من طرف لجنة التعليم التي كان مقرها بقسنطينة للالتحاق بمدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريينفالتحق بمدرسة التهذيب بشاطودان (شلغوم العيد حاليا)في سبتمبر 1949 ثم نقل إلى وهران سنة 1951 حيث التحق بمدرسة التربية الواقعة بحي الحمري وكلف بإدارتها ثم انتقل إلى مدرسة مديوني بنفس المدينة ثم مدرسة سبدو جنوب تلمسان سنة 1953 حيث أشرف على إعادة بناء المدرسة ومسجد بجانبها، واستمر في نشاطه التعليمي وإمامة المسجد وإقامة الجمعة إلى غاية سنة 1956 حيث تم غلق المدرسة والمسجد معا من طرف السلطات الاستعمارية الفرنسية التي اعتقلت جل أعضاء المدرسة واغتالت البعض الآخر ووضعت الشيخ عمار مطاطلة تحت الإقامة الجبرية.

ثورة التحرير:

بعد أن قضى الشيخ عمار مطاطلة مدة تحت الإقامة الجبرية تحت رقابة الاستعمار الفرنسي، قامت جبهة التحرير الوطني بتهيئة وسائل لخروجه من القرية والالتحاق بضاحية من ضواحي تلمسان ثم نقله تحت إشراف عناصر من جيش التحرير الوطني الجزائرينحو المغرب الشقيق انتهاء إلى مدينة وجدة في أواخر عام 1956.

كلف الشيخ بالإشراف على تسيير مجمع مدرسي يحتوي على مستويين ابتدائي ومتوسط فكان هذا عمله في النهار، أما بالليل فكان يعمل في نطاق جبهة التحرير الوطني الجزائريةفيقوم بتفقدات وخروج إلى الأرياف المجاورة للحدود للاتصال بالسكان وتشجيعهم على الثبات والصمود كما كان يقوم بالسهر على ضمان الإقامة لمجاهدي جبهة التحرير الذين يلتجئون إلى المغرب.

التعليم بعد الاستقلال:

عاد الشيخ عمار مطاطلة إلى الجزائر في العشر الأوائل من جويلية 1962 إلى تلمسان فعين بإحدى مدارس سبدو التي كان معلما حرا بها أيام الاستعمار ثم انتقل إلى العاصمة حيث عين بمدرسة بحي الأبيار وانتظم في الجامعة لتحضير شهادة الكفاءة للتفتيش.

التحق الشيخ بعدها بالأكاديمية ثم بالمركز الوطني لمحو الأمية سنة 1972 وترأس البعثة الجزائرية التي شاركت في دورة تدريبية بالقاهرة في نطاق منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة سنة 1974. واصل الشيخ بعدها العمل في المركز إلى غاية تقاعده عام 1978.

الإمـــامـــــة:

بعد تقاعده من التعليم أشرف الشيخ عمار مطاطلة على بناء مسجد الفرقان بالأبيار عام 1981 الذي عمل به إماما متطوعا، كما كان من المؤسسين لمسجد الخلفاء الراشدين بنفس الحي.

ولقي الشيخ معارضة شديدة من قبل جماعات متشددة خصوصا في بادية العشرية السوداء في الجزائروالتي عرفت استغلال المساجد لأهداف سياسية.

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين:

كان الشيخ عمار مطاطلة من الأعضاء النشطاء في جمعية العلماء المسلمين الجزائريينبعد أن بعثت من جديد سنة 1991 واستمر يكتب على صفحات جريدة البصائر (الجديدة) مقالات تقطر حكمة، بروح يُستَشَفُّ فيها حزم وشفقةُ أبٍ رؤوف حريص على الأبناء، ولم يتوقف عن الكتابة إلا وهو ابن الأربعة وتسعين سنة، كما عين رئيسا شرفيا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 2008.

مؤلفاتـــــــــــــــــه:

اشتغل الشيخ عمار مطاطلة- كأستاذه ابن باديس - بتربية الرجال عن تأليف الكتب، له مذكرات من جزئين بعنوان: مذكرات حياة وذكريات أحداث طبعت سنة 2012.

وفاتـــــــــــــــــــــه:

توفي الشيخ عمار مطاطلة يوم 23 مارس 2015 بمنزله بحي الأبيار بالجزائر العاصمة.

 

اليوم الثامن و العشرون من شهر رمضان 1440هـ/2019م

الشيخ: أحمد راسمال

الشيخ يتصل نسبه بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ومن هنا فهو يتميز عن كثير من الكتاب بقوة روحية عالية تضيء، وتوحي، وتستجلي، وقوة في الخلق تحفظ، وتعصم وتهدي.

نسبه:

عرش أولاد سيدي أحمد المجدوب، الذي ينتمي إليه الشيخ هو من الدوحة البكرية الصديقية، فهو أحمد بن قدور بن محمد بن محمد بن العربي بن محمد بن أحمد بن بـوالأنوار بن التومي بن أحمد المجدوب بن سليمان بن أبي سماحة بن محمد أبو ليلىبن بلحيا )يحيي(بن عيسى بن معمر المدعو معمر بن العالية بن سليمان بن سعد )سعيد( بن عقيــــل بن حفص ) الحفيظ ( بن حرمة الله بن محمد) عسكر( بن زيد بن معمر أبو العالية بن عقبة) بالمعراج ( بن عيسى بن التادلى) تدي(بن محمد )الشبلي( بن عيسى بن زيدبن يزيد بن الطفيل المدعو زغوان بن صفوان بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه وأرضاه-الذي يتصل نسبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في مرة- التيمي القرشي.

سيرته:

ولد الشيخ أحمد راسمال في 1916م، بعين الصفراء بالجزائر، ترعرع في البادية، ولما وصل إلى سن الخامسة عشر، بعثه والده لتعلم القرآن الكريم في قصر قريب يُسمى )بوسمغون( وفيه التقى بأحد أقرانه وهو جبار امحمد ولد محمد وفيه أتقن فقه"ابن عاشر" نظما وفهماً.

وذلك علي يد شيخهم أمحمد بن رمضان لمدة عشر سنوات، ولما لاحظ فيه النبوغ بعثه إلى الشيخ عبد القادر بن عبد الحق ليستكمل تعليمه في"فجيج" التي كانت حاضرة علمية وثقافية في الجنوب المغربي، فتحصل على بعض المعارف الخاصة باللغة والنحو، وبالشريعة، ولُقّن القرآن على أربع روايات، والتجويد والفقه، فأبدع في هاته المعارف وسنه لا يتجاوز34 سنة على يد أستاذه الحاج محمد بن خليفة.

وبعد مدة انتقل إلى وجدة بالمغرب أين اتصل بأحد رواد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وهو الشيخ سعيد الزموشي الذي أتم على يده علوم البلاغة، ويبدو أنه كان يتلقى بعض المحاضرات من ملحقة وجدة بجامع القرويين بفاس.

أما نشاطه السياسي، فقد كان عضواً نشيطاً في حزب الشعب الجزائري، في منطقة عين الصفراء، وقد دعم مُرشح حزب الشعب الجزائري السيد: باقي بوعلام، الذي نجح في الانتخابات. . .

إلا أنه لم ينقطع عن تلقي العلوم والمعارف الدينية واللغوية حتى أثناء الثورة التحريرية المباركة (1959-1956)، فباندلاع الثورة التحريرية أُختير ليكون على رأس مجموعة الاتصال بالمنطقة من طرف قائد المنطقة الشهيد / بوشريط رحمة الله عليه، وبعد أن حكم عليه الاحتلال بالإعدام، قررت القيادة إلحاقه بالمنظمة المدنية لجيش التحرير الوطني، كمسؤول عن الشؤون الاجتماعية - أرامل الشهداء والأيتام – بمقر القيادة بوجدة بالمغرب إلى غاية الاستقلال.

بعد رجوعه إلى أرض الجزائر المحررة، أُسندت له أول مهمة وهي تولي الإمامة بالمسجد العتيق بسعيدة، ثم أُسندت له مهام رئيسية منذ فجر الاستقلال لإعادة ترتيب قطاع الأوقاف والشؤون الدينية لبرهة من الزمن، والتكفل بتدريس العلوم الشرعية واللغوية؛ ثم ترقى إلى وظيفة إمام أستاذ بمسجد الأمير عبد القادر بسعيدة، ثم أُسندت له مباشرة مسؤولية نائب مفتش جهوي لنفس القطاع، ثم مفتش قطاعي، ثم ناظراً للشؤون الدينية لولاية سعيدة وبشار (1970)، ويعود تأسيس القطاع في هذه المناطق إلى مجهوداته وإخلاصه، جزاه الله عنا خير الجزاء.

كان رحمه الله عضواً في المجلس الإسلامي الأعلى منذ تأسيسه، وعضواً في لجنة الفتوى برئاسة المرحوم الشيخ أحمد حماني، وقد كان لهذا المجلس سمعة حتى في البقاع المقدسة وله دور في بعض الفتاوى، وشارك بفعالية في أغلب ملتقيات الفكر الإسلامي، وكان وراء فكرة مشروع المعاهد الوطنية لتكوين الإطارات الدينية على المستوى الوطني، وبذل مجهوداً في إنشاء معهد لولاية سعيدة، بعد معهد مفتاح بالقرب من الجزائر العاصمة.

أما نشاطه السياسي بعد الاستقلال، فقد كان عضوا في المجلس الوطني لحزب جبهة التحرير الوطني أثناء انعقاد المؤتمر الوطني الاستثنائي في 1982. .

أُحيل على التقاعد في سنة 1990م.

توفي رحمه الله في 9 محرم1422 هـ / الموافق2 أبريل2001 م، تغمده الله برحمته الواسعة وأسكنه فسيح جنانه.

 

 

الشيخ بوزيان بن أمحمد الحجاجي

 

نسبه: هو بوزيان بن عبد القادر بن أمحمد وأمه خيرة بنت بن يحي بلهاشمي.

مولده: ولد سنة 1893 بقرية عيون البرانس - دائرة أولاد براهيم ودرس القرآن الكريم على يد الشيخ سيدي أحمد بيوض العثماني، حفظ القرآن الكريم وسنه لا يتجاوز 10 سنوات تم انتقل إلى منطقة الونشريس نواحي برج بونعامة فدرس في مدرسة الشيخ جلول الونشريسي الكتب الفقهية المعتمدة في المذهب المالكي، وهي المرشد المعين، رسالة أبي زيد القيرواني، وأسهل المسالك، ومختصر خليل، تم انتقل إلى مدينة فرندة ودرس تلك الكتب المذكورة ومراجعتها مع الشيخ الإمام سيدي أحمد بن مصطفى.

وفي سنة 1914 طلب للخدمة العسكرية من طرف المستعمر فذهبوا به إلى مدينة أرزيو ولم تمت مرحلة التدريب، أراد المستعمر أخذه إلى المشاركة في الحرب العالمية الأولى، هرب من الثكنة العسكرية بمساعدة طلبة زاوية الشيخ سيدي بوعبدالله، وانتقل من هناك إلى منطقة بوسعادة، حيث استقر بالزاوية القاسمية، وقد التقى بعلماء الأزهر من مصر فتتلمذ على يد أحد المشايخ وهو الشيخ محمد الطاهر الأزهري، علمه علوم اللغة (النحو، الصرف، العروض) وذلك سنة 1916 مدة سنتين، تم انتقل إلى عين معبد بولاية الجلفة اشتغل بتدريس الطلبة، وعين كإمام من طرف سكان هذه القرية، إلا أنه كان ينتقل كثير ا بين هذه النواحي خوفا من ملاحقة الاستعمار له حتى سنة 1933، وخلال تجواله التقى ببعض أفراد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين حيث حضر حفل اختتام صحيح البخاري بالجزائر العاصمة سنة 1936، وبعد رجوعه من الصحراء الشرقية إلى قريته عيون البرانيس، ألقي عليه القبض من قبل المستعمر الفرنسي فزج به في السجن تم خرج منه سنة 1940 بعد إدعائه المرض.

عين من طرف سكان مدينة سعيدة إمام بمسجد العتيق رفقة الشيخ عبد القادر الغزالي في تلك السنة، و استقر بها، ولأسباب خاصة انتقل إلى مدينة وهران وعين إمام مسجد البدر بوهران، بقي هناك بعض السنوات ورجع إلى قريته بعيون البرانيس.

  مشاركته في الثورة التحريرية:

   في شهر جوان 1956 دخل الجيش الجزائري إلى قرية عيون البرانيس - أولاد براهيم قادما إليها من ولاية معسكر، وكان للشيخ سكنا في جبل هذه القرية، فاختار الجيش بيته كمركز له للراحة ومعالجة الجرحى، فعين قاض للثورة التحريرية، وكان يلقن بأبي الجيش.

وبعد وقوع معركة بالقرب من المركز المذكور ألقي عليه القبض مع مجموعة من سكان القرية، وأدخل إلى سجن مدينة سعيدة

 بعد الاستقلال:

سنة 1963 دعي للحضور إلى حفل وضع الحجر الأساسي لمسجد الأمير عبد القادر من طرف وزير الأوقاف آنذاك السيد: توفيق المدني، التقى به وطلب منه أن يكون إمام بعد بناء هذا المسجد ولكنه لأسباب صحية فعينه الوزير عضو مع البعثة الجزائرية للحج سنة 1964.

 وفي سنة 1967 عين كمسؤول على معلمي عمال مزارع التسيير الذاتي لولاية سعيدة من طرف المحافظ السياسي السيد: الواعي محمود بقي في هذا المنصب إلى أن توفاه الله يوم 27 جويلية 1977 م ودفن قرب ضريح جده سيدي أمحمد بلحاج شرق بلدية أولاد براهيم.

رحم الله الشيخ وأسكنه فسيح جنانه.

اليوم السابع و العشرون من شهر رمضان 1440هـ/2019م

الشيخ رابح مدور

1908م/1994م

 

أولا: مولده ونشأته وتعلمه:

 في بيت من بيوتات القرية الصغيرة، ووسط سهول ملُّول الخصبة الواسعة، جنوب مدينة سطيفالعريقة؛ وذات ربيع من سنة 1908م وتحديدا في شهر مارس، ولد الشيخ الوقور الشيخ رابح مدور بن لخضر بن رابح بن علي بن الدراجي بن احْميدة.

 لقد حمل هذا البرعم اليافع لقب الشيخ كما الكبار، وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، وذلك حينما أنعم الله عليه، وأكرمه بحفظ كتاب الله عز وجلّ، وهو غض الشفتين، طري العود، وكان ذلك بمسجد القرية، المعروف باسم: مسجد سيدي ساعد خطاب. ثم انتقل الفتى إلى زاوية: حامدي الشريف، المعروفة بزاوية (لحوامد) بقلاّل. جنوب سطيف. فتلقى علوم اللغة، وعلوم الفقه ونَظْمَ الشيخ خليل للمذهب المالكي، على يد أساتذة أجلاّء، من أمثال الشيخ رابح قرماش، والشيخ محمد القماري، وغيرهم ممّن تخرّجوا من جامعات المشرق العربي، كجامع الأزهر بمصر وجامعة المدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية.

سافر إلى تونس والتحق بجامع الزيتونة سنة سنة 1928م. فاجتاز امتحان القَبولوالتصنيف، فحظي بالموافقةعن جدارة واستحقاق. فانتسب إلى الجامعة، ثم تحصّل على شهادة التطويع التي كانت تمنحها نظارة الجامعة آنذاك. وكان ذلك سنة 1935م. ويقول الشيخ رابح مدور بن لخضر السطايفي، وهو يسترجع ماضيه في محاورة مع (العقيدة): " ومما أذكره من الدراسة في جامع الزيتونة علم النحو الذي كنا ندرسه على أربعة مراحل، وننتقل من كتاب إلى كتاب. نبدأ بالأجرومية ثم قطر الندى، ثم ألفية بن مالك، ثم شرح الأشموني على ألفية بن مالك، بالإضافة إلى دروس أخرى في البلاغة والبيان والمنطق والرياضيات وغيرها".

 وكان قد تلقى هذا الزخم الهائل من العلوم على يد شيوخ أكْفاء نذكر منهم: زغوان موسى، وإبراهيم النيفر، والطاهر بن عاشور ونجله الأستاذ فاضل بن عاشور ومعاوية التميمي، وعبد السلام التونسي ومحمد الطوسي، ومفتاح الطرابلسي، ومحمد المنستيري ومحمد بن الأمين، ومحمد الحطاب وأحمد بن عثمان، وغيرِهم كثير من أساتذة الزيتونة الأجلاء.

انتسب إلى جمعية العلماء المسلمين بإيعاز من الشيخ العلامة ابن باديس وأقرانه، من أمثال الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي، والعربي التبسي، والفضيل الورثيلاني، ومبارك الميلي وغيرهم ممّن نذروا أنفسهم لخدمة العلم والدين عبر أرجاء الجزائر الحبيبة.

ثانيا: شخصيته المتميزة:

الشيخ رابح مدور صاحب أطول مدة في الإمامة، وصاحب أطول مدة في الدعوة والفتوى. أحبه الناس وأحبهم، حتى صار فردا منهم، لا يُعدم الحضورَ في أفراحهم أو أقراحهم. فهو الأب المحترم المبجّل، وهو الناصح الأمين، للصغير و للكبير معا.

الحجة حاضرة لديه، والأدلة موجودة طي كلِّ حديث أو مسألة. كان لا يتسرع في إلقاء الأحكام جزافا في أية مسألة كانت، دينية أو اجتماعية أو سياسية، أو ما إلى ذلك. كان قليل الفتوى فهو لا يُفتي حتى يُحيل سائليه على شيوخ المدينة، ليس تهربا ولكن لتقديره لهم وإيثارا على نفسه أيضا. كان يُفتي فيما هو عام على الملإ، وأما فيما هو خاص فكان يطلب من سائليه المجيء إلى بيته، أو في مكان خاص، حفاظا على سرية الفتوى الخاصة. لكنّ هذه الطيبة، وهذا التسامح، وهذا التواضع، لا يعني أبدا أنه كان يقبل كل شيء، لقد كان ـ وبحسب أقرب أصدقائه المجاهد: ساعد زهراوي ـ صارما ويردُّ بعنف عندما يُسأل في أمور تافهة، وإن شئت قل في الأمور البديهية جدا، والتي يعرفها أبسط الناس. فاللوم ساعتها والعتاب، يكونان بديلا عن الفتوى وكيف لا وهو مَن هو؟ إنه الشيخ رابح مدّور. فهو لا يخشى لومة لائم، وبخاصة إذا كانت المسألة نصية، فهو يوظف مقولة (لا اجتهاد بعد النص ).

هذه الشخصية التي اكتسبت هالة من الوقار والهيبة، حتى أن مسجد أبي ذر الغفاري لم يتأثر بالزلزلة الكبرى إبان العشرية الحمراء. فما استطاع أحد أن يتجرأ على فرض شيء داخل المسجد في حضور الشيخ رابح مدور، والكل يشهد له بذلك.

ثالثا: سيرته العلمية والنضالية:

انضم الشيخ رابح مدور بن لخضر إلى شعبة جمعية العلماء المسلمين ( بصفة عضو كامل العضوية) لسنة 1937م وكان قبلها قد شارك في المؤتمر الذي انعقد بنادي الترقي بالعاصمة، في شهر سبتمبر من سنة 1935م تحت رئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس وبحضور جميع أعضاء الجمعية من أمثال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والعربي التبسي ومبارك الميلي، ومحمد خير الدين، وابن اليقظان، والفضيل الورتيلاني، ومحمد السعيد الزاهري، ومحمد العيد آل خليفة، والقائمة طويلة. وأمام هذا الحشد من العلماء الأجلاء، يتفضل الشيخ رابح مدّور بإلقاء خطبة رائعة، يدور موضوعها حول الحثّ على تعلّم اللغة العربية، والاهتمام بها. فكانت هذه الخطبة آية في الفصاحة العربية مما ينبئ بأن شيخنا كان متمرّسا في الأخذ بناصية اللغة العربية مبنًى ومعنًى.

وتمضي سنتان على رجوع الشيخ رابح مدور إلى أرض الوطن حيث قضاهما في التدريس بالمسجد الذي تعلم فيه القرآن الكريم بقرية ملّول، عرفانا بالجميل، ثم ينتقل الشيخ رابح مدُّور إلى رأس الوادي مسقط رأس الشيخ البشير الإبراهيمي (بولاية البرج) وتحديدا إلى زاوية بلعيساوي أين درّس بها سنتين كاملتين أيضا، فأفاد طلاّب الزاوية بعلم غزير، (أبي ذر الغِفاري) حاليا. فيحظي الشيخ بالرتبة الأولى عن جدارة واستحقاق، ويُعيّن إماما لهذا المسجد سنة 1939م. فكانالإمامَ الخطيبَ، والمدرّسَ القديرَ، والمفتيَ الصائبَ. فذاع صيته، وتمنّى الشباب المتعطش للعلم والمعرفة التّقرُّب منه، متمنين أن ينالوا قسطا من علمه الغزير. لا يُثنيهم عن ذلك عناء سفر، أو شظف عيش. من بين التلاميذ الذين تلقوا العلم والمعرفة على يد هذا الشيخ: كالأستاذ المجاهد عبد الحفيظ أمقران، والأستاذ المجاهد لقريشي مداني، والشيخ مبارك ساتّه وأبوه، والشهيدان بليليطة محمد والشلالي... وغيرهم كثير،

كما كان الشيخ رابح مدور يجتمع في هذا المسجد وعلى الدوام مع الشيخ البشير الإبراهيمي، المدرّس هو الآخر في هذا المسجد المحسوب على جمعية العلماء المسلمين، فيتبادلان أطراف الحديث في القضايا الدينية والوطنية. أو بالأحرى قضايا المجتمع برمته.

وتتوالى السنون، وتتفاعل الأفكار الدينية والسياسية، ويأتي ربيع 1945م وانطلقت الانتفاضة، انتفاضة الثامن ماي45م، من هذا المسجد الذي كان يؤمه هذا الشيخ، وللشيخ يدًا في هذا ولو من بعيد، وذلك عن طريق التوعية من خلال الخطب والدروس التي كثيرا ما كانت تحتوي على مقاربات في غير ما تصريح، أو تحتوي على رمزيات فيها كثير من التلميح. وكانت المسيرة، وحدث التغيير، تغيير نحو الأجدى والأنفع. وسجَّل التاريخ صفحات خالدة، لايزال الشيب والشباب، يحييها في يوم 8 ماي من كل سنة.

وتندلع الثورة المباركة ثورة نوفمبر 1954 م فتتسع دائرتها، ويستعر لهيبها، ويجد الشيخ رابح مدور ضالته فيها، بعد أن شعر بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه تجاهها، فما وجد من سبيل إلاّ شحْن النفوس بما يجب أن تُشحن به، شأنُه في ذلك شأن كلِّ العلماء الذين لا يملكون إلاّ الكلمة النافذة، مؤِمنين بأن الجهاد بالكلمة، لا يقل أهمية عن الجهاد بالبندقية، فكثف الشيخ من دروسه على الرغم من المراقبة الشديدة آنذاك على المساجد من قِبل المستعمر الغاشم. وتجيئ سنة 1957م وتتفطّن السلطات الاستعمارية للشيخ مدّور ولأمثاله من الدعاة، فتلقي عليه القبض رفقة الشيخين محمد الصغير خاسف والشيخ خبابة. وتُرسل بهم جميعا إلى معتقل قصر الطير (قصر الأبطال حاليا).

 ويقضي الشيخ مدّور بهذا المعتقل شهرين كاملين. ثم يُفرج عنه نظرا لتدهور صحته، ويأبى الشيخ رابح مدّور أن يركن إلى الراحة فيعود إلى منصبه، بل ويعود لأداء رسالته الدعوية التنويرية الجهادية. يدرّس ويخطب ويفتي، حتى صار المرجعية الأولى والأخيرة للفتوى

 وللشيخ رابح مدور رؤية متزنة وواعية، في كثير من القضايا الدينية والاجتماعية والأخلاقية، وذلك وفق الشريعة الإسلامية السمحة، ووفق ما تقتضيه الظروف، وهذا من باب الاجتهاد. وكيف لا وهو رئيس المجلس العلمي والفتوى بسطيف، أضف إلى ذلك تكليفه من طرف مديرية الشؤون الدينية بتكوين الأئمة.

وفاته وآثاره:

 من البديهي أن يتساءل القارئ: ماذا قدّم الشيخ رابح مدور غير الآراء التي دُوّنت، والتي كانت بمثابة الكاشف الحقيقي عن آراء الرجل وتوجهاته الفكرية، في كثير من القضايا المتعددة الدينية منها والاجتماعية والسياسية، وغيرها من القضايا ذات التوجهات العالمية؟

 والجواب هو: أن الشيخ له من الرصيد الأدبي، الشيء الكثير وأن فن الخطابة على وجه التحديد له فيه اليد الطولى. فللشيخ مئات الخطب، المخطوطة بيديه، والتي تمحورت حول كثير من القضايا التي واكبت مسيرة الرجل، من جهة، وواكبت مسيرة الجزائر منذ الأربعينات، وإلى التسعينات، أي: ما يزيد عن نصف قرن من الزمن. أضف إلى ذلك الدروس التي قدّمها لتلامذته الدارسين، زيادة على الدروس العامة التي كان يقدمها للدهماء من الناس. فقد كان الشيخ يدرس المنطق، وعلم النحو، والبلاغة والفقه والتفسير، وعلم التركة أو المواريث.

وظل الشيخ كذلك إلى أن وافته المنية في 1994م.

 

 

 

الشيخ محمد أمقران بن مالك

1920م/2014م

 

هو الإمام والأستاذ محمد أمقران بن مالك، رجل مجاهد وعالم إسلامي كبير، خدم الثورة التحريرية بنفسه وقلمه، درَّس كتاب الله، وعلّم علوم اللغة والتاريخ والفقه والتفسير في أماكن كثيرة من أرجاء الوطن، بدءا بولاية البرج والعاصمة وبجاية وسطيف وسكيكدة وغيرها من ولايات الجزائر.

خدم الجزائر بعلمه وأدبه وسلوكه الأخلاقي الفذ، كان نعم الأستاذ المربي، ونعم الأب الحنون، ونعم الإمام الخطيب الواعظ، ونعم المفتي في قضايا الأمة المختلفة، ونعم المصلح فقد كان يصلح بين المرء وزوجه، وبين المتخاصمين بشكل عام، فهو بحق يستحق كل تقدير وتبجيل، لأنه خزانة علم، وكنز وفير، وبحر زاخر، للأمة قاطبة، شعاره التواضع وخفض الجناح، وقد كان مسالما ويحب الخير للناس قاطبة.

وكان محبا للعمل والعمل الجاد، خدم مع المجاهدين، وتربى في أحضان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

وختم أيامه في مدينة سطيف التي قدم إليها من الجزائر العاصمة وحط رحاله فيها منذ سنة 1982 إلى أن رحل إلى جوار ربه يوم 01 ماي 2014 عن عمر يناهز 94 سنة، فرحم الله شيخنا الفاضل وأسكنه جنان الفردوس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

وما يعلم جنود ربك إلا هو:

في الصائفة من سنة 1991 ألقى الشيخ محمد أمقران بن مالك محاضرة في الحي الجامعي بعين تبينت للطلبة الجامعيين، فذكر في مداخلته إحدى المعارك في جبل أمازة شمال ولاية برج بوعريريج بلدية الماين دائرة الجعافرة على حدود ولاية بجاية، حيث تسربت أخبار مفادها أن هذا الجبل المذكور به فصائل من جيش التحرير الوطني-أي كان محاطا بالمجاهدين-، وجاء الأمر من طرف فرنسا بتعزيز قوتها بعساكر وضباط مدربون على الاقتتال، ودبابات ومدرعات وطائرات.. فحوصر الجبل من جميع أطرافه، وفي الأخير تبين أن هناك كتيبة لا يتعدّى عددها عشرون جنديا تحت قيادة العقيد حميمي بن فضالة ينحدر أصله من قرية بني شبانة دائرة بني ورثيلان.

ولما أدرك الضباط الفرنسيون أن هناك عددا قليلا من المجاهدين محاطين بالجبل فاستهونوا الأمر واستخفوا به وأرادوا ألا يطلقوا ولا رصاصة واحدة، ويقبضوا على هؤلاء المجاهدين باليد -حسب زعمهم ونظرتهم الازدرائية- وما هي إلا لحظات حتى قلّب الله الجو فأمطر الله مطرا شديدا وهبت رياح قوية، فوقع الوحل وصعبت المسالك، ثم أرسل الله ضبابا كثيفا فأعمى به العيون والأبصار، فلا أحد يستطيع أن يرى خصمه في هذه المعركة، فنجت الكتيبة بكاملها ولم يقتل منهم أحد، وتحولوا إلى مكان آخر سالمين معافين.

وخلص الشيخ المحاضر إلى أن جند ربك كثيرون منهم الملائكة والرياح والأمطار والثلوج والأعاصير والضباب والفياضانات والسحب السوداء والصفراء... إلى غير ذلك من قوات الله العظمى، وهذا لقوله تعالى في سورة المدثر: "وما يعلم جنود ربك إلا هو" صدق الله العظيم.

مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين:

كان مع الجمعية منذ النشأة الأولى من حياته، ومنذ نعومة أظفاره، -كما يقال- ولا غرابة في ذلك فهو من أسرة دينية عريقة تنتهي نسبا إلى جدهم صاحب الرحلة الورثيلانية الشيخ الحسين الورثيلاني، والشيء من معدنه لا يستغرب.

وعمل في مدارس الجمعية، فعلّم ودرّس في إغيل العصر ببجاية، وفي قلعة بني عباس-قرية المقراني صاحب مقاومة 1871-، ثم في قرى دائرة الجعافرة مثل قرية أوشانن، والتقى بالمجاهد الكبير الضابط في جيش التحرير أيام الثورة مع كتائبه الأخ الهاشمي علوش -رحمه الله تعالى-. وكانت قرى دائرة الجعافرة تبلغ 35 قرية، وعدد بلدياتها أربعة في الحاضر. وكان مع اتصال كبير مع العقيد اعميروش –رحمه الله تعالى.

وكان الشيخ -رحمه الله تعالى- يقول لي إنه كان رهن إشارة الجمعية ومدارسها المنتشرة عبر الوطن... ويقول حيثما طلب مني التدريس ألتحق مع أهلي وأرحل آخذا غرابيلي وكتبي وبعض المؤن اللازمة للدار... ولا أستقر كثيرا... رحّالة من قرية إلى أخرى.. وكلما طلب مني التعليم بأحد المدارس إلا وكنت طائعا ملبيا...

مع أساتذته ومشايخه:

كان دائما وفيا لهم فليس هناك مجلس إيماني أو ذكرى أو موعظة إلا ويذكرهم ويثني عليهم بكل خير.

فهو وفيٌّ كل الوفاء لهم، يذكرهم بأسمائهم، الذين حفّظوه القرآن، الذين تتلمذ عليهم في أنواع العلم وفنون المعرفة، وكان يخصهم بالدعاء دائما بأسمائهم وألقابهم ويثني عليهم جزاء ما قدموا له.

تعامله مع زوجته وأولاده:

تذكر أمنا سعدية -زوجة الشيخ- أنها عاشرته مدة ستين سنة أو أكثر لم يضربها ولا مرة واحدة، كما أنه حتى لم يشتمها في يوم من الأيام أو أغلظ لها القول، بل حتى أولاده كان يعاملهم بالحسنى ولم يضرب أحدا من أولاده وأحفاده قط، فيا نعم الأب والبعل والمربي والناصح، فهو نموذج فريد في هذا العصر، ومثال في الأخلاق والفضائل الكريمة والتربية الحسنة.

الجائزة الدولية لحفظ القرآن الكريم

الأسبوع الوطني للقرآن الكريم

المسابقة الدولية لإحياء التراث الإسلامي

ملتقى المالكية

أعلام المنطقة